profarticls

فِي كَشْف خِطَاب اَليقِين الزَّائف: قِراءة لُغَويَّة فِي خِطَاب الدُّكْتور ضِيَاء اَلْعَوضي

profarticls

فِي كَشْف خِطَاب اَليقِين الزَّائف: قِراءة لُغَويَّة فِي خِطَاب الدُّكْتور ضِيَاء اَلْعَوضي

اِسْتوْقفني ظَاهِرة بَاتَت مَألُوفة فِي عصْرنَا الرَّقْميِّ، وَهِي قُدرَة بَعْض الأصْوات على اِكتِساب نُفُوذ وَاسِع بَيْن النَّاس لَا عَبْر الشَّهادات العلْميَّة أو المؤسَّسات الرَّسْميَّة، بل عَبْر الكلَام وَحدَه وَطَريقَة توْجيهه. والْمرْحوم الدُّكْتور ضِيَاء اَلْعَوضي نَمُوذَج وَاضِح وَلافِت على هَذِه الظَّاهرة، بعيدًا عن اللَّغط الدَّائر حَوْل نِظامه الغذائيِّ، وَبمعْزِل تامٍّ عن اَلحُكم على صِحَّته أو خَطئِه مِن المنْظور الطِّبِّيِّ وَهُو مَجَال لَا اِختِصاص لِي فِيه. مَا يعْنيني هُنَا سُؤَال مُخْتَلِف تماما، كَيْف تَتَحوَّل كلمات فَرْد وَاحِد إِلى ظَاهِرة اِجْتماعيَّة تَستنْسِخ نفْسهَا فِي الوعْي اَلجمْعِي وتتكاثر حَتَّى بَعْد رحيل صاحبها؟

حِين يَقُول المتكلِّم “أنَا كدُّه وأسْلوبيْ كَدِّه” أو “أنَا عبْقريَّتيْ دِي مَحصلِتش ولَا هتْحصل”، فَهُو لَا يُقدِّم مَعلُومة بِقَدر مَا يُشكِّل هُويَّته وَيبنِي صُورَتَه أَمَام جُمْهُوره عَبْر الكلَام لَا عَبْر الدَّليل. وَهذَا بِالضَّبْط مَا يُسَميه عَالِم الاجْتماع الأمْريكيُّ إِيرْفينْج غُوفْمَان “بالأدَاء الاجْتماعيِّ”، أيْ أنَّ الإنْسان فِي حَياتِه اليوْميَّة يَمثُل دوْرًا أَمَام الآخرين بِوَعي أو بِغَير وعْي، ويخْتَار مِن الكلمات والنَّبرات والْمواقف مَا يُكرِّس الصُّورة اَلتِي يُريد أن يَظهَر بِهَا. المتكلِّم هُنَا لَا يعْلم، بل يُعْلِن عن نَفسِه كائنًا اِسْتثْنائيًّا يَقِف خَارِج المعايير السَّائدة، وَهُو مَا رَصدَه عَالِم اَللغَة الاجْتماعيُّ وِيلْيَام لَابُوف تَحْت مُصطَلَح “المكانة اَلخفِية”، أيّ اِكتِساب التَّأْثير فِي النَّاس والرَّمْزيَّة الاجْتماعيَّة بِالتَّمرُّد على مَا هُو مُؤَسسِي وَرسمِي لَا بِالانْتماء إِليْه.

وحين نَنظُر فِي هَذِه الكلمات مِن زَاوِية مَا يُعرَف فِي الدِّراسات اللُّغويَّة “بالتَّحْليل اَلنقْدِي لِلْخطَاب”، أيّ الكشْف عن علاقَات اَلقُوة المخبَّأة دَاخِل الكلَام اليوْميِّ، نَجِد آليَّات لُغَويَّة دَقِيقَة تَعمَل فِي صمْت. أَبرَز هَذِه الآليَّات مَا يُسَميه الباحث البريطانيُّ نُورْمَان فِيركْلاف “بالإغْلاق الخطابيِّ”، وَهُو حِين يُحصِّن المتكلِّم كلامه ضِدَّ المساءلة مِن دَاخلِه لَا مِن خَارجِه. وخيْر مِثَال على ذَلِك عِبارة “مِشّ عَايِز حدِّ يُقولي أَسئِلة”، إِذ لَا يَرُد المتكلِّم على المعارضة، بل يُلْغيهَا مُسْبقًا ويحْرمهَا مِن حقِّ الوجود. يُضَاف إِلى ذَلِك مَا يُمْكِن تسْميَته “التَّرْخيص الذَّاتيَّ”، أيّ مَنْح النَّفْس صَلاحِية إِصدَار الأحْكام والتَّشْريع فِي الشُّؤون دُون سند عِلْمِي أو مُؤَسسِي مُعتَرَف بِه، ثُمَّ اِسْتخْدام الإهانة اللُّغويَّة أَدَاة لِرَدع كُلّ من يَجرُؤ على المخالفة، فَتصبِح اَلكلِمة الجارحة سِلاحًا اِجْتماعيًّا يُسيْطِر على الجمْهور ويعيده إِلى دَائِرة الطَّاعة.

أَمَّا على صعيد تصْريحات المتكلِّم عن المرْأة والرُّجولة، فَتكشِف كلماته عن نمط ثَقافِي تُعبِّر عَنْه عَالِمة الاجْتماع الأسْتراليَّة رِيوين كُونيل بِمصْطَلح “الذُّكورة المهيْمنة”، وَتعنِي بِه النَّموذج الثَّقافيّ السَّائد اَلذِي يضع الذُّكورة فِي مَوقِع اَلقُوة ويعيد تعْريفهَا بِاسْتمْرار عِبر الكلَام والسُّلوك. فعبارة “الرَّاجل اَللَّي مِشّ بِيدْخن مِشّ رَاجِل أصْلا” لَيسَت وصْفًا لِواقِع، بل هِي حُكْم إِقْصائيّ يَرسُم حُدُود اَلهوِية الذُّكوريَّة ويحدِّد من يَستَحِق الانْتماء إِليْهَا ومن لَا يَستحِق. وحين يُدَان التَّعْبير العاطفيّ بِعبارة “اَسترِجل وَانشِف وَبْلاش تُسمِّع عَبْد اَلحلِيم”، فَإِن الكلمات تُحوِّل المشاعر الإنْسانيَّة الطَّبيعيَّة إِلى عارٍ اِجْتماعيٍّ يَستَحِق السُّخْرية والْإدانة. والْأخْطر فِي هذَا كُلِّه أنَّ الأسْلوب الكوميديَّ اَلهزْلِي يُصْبِح غِلافًا ناعمًا يُمرِّر مِن خِلاله مَا لَا يُقَال صراحَة، وَهُو مَا تَنبهَت إِلَيه عَالِمة اَللغَة الأمْريكيَّة دِيبورَا تَانِن فِي دِراستهَا لِأنْمَاط النَّوْع الاجْتماعيِّ فِي الخطَاب اليوْميِّ.

وَعلَى المسْتوى اللُّغَويِّ النَّفْسيِّ، تَكشِف كلمات المتكلِّم عن ظاهرتيْنِ مُتشابكتيْن. اَلأُولى هِي مَا يُسَميه الباحث ألكْسانْدر لُوين “النَّرْجسيَّة الخطابيَّة”، وتتجَلَّى فِي هَيمنَة ضمير المتكلِّم على بِنْيَة اَلجُمل وجعْل الذَّات مِحوَر كُلِّ حُكْم يَصدُر، حَتَّى يَبدُو الكوْن كُلُّه قائمًا مِن أَجْل تَأكِيد صِحَّة رَأْي صَاحبِه. والثَّانية هِي مَا يُعرَف فِي عِلْم النَّفْس “بالتَّنافر المعْرفيِّ”، وَيعنِي بِه عَالِم النَّفْس الأمْريكيُّ لِيون فِيستْنغر تِلْك الحالة اَلتِي يَجمَع فِيهَا الشَّخْص بَيْن مُعْتقديْنِ مُتعارضيْنِ فِي آن واحد، كالْجَمْع بَيْن الانْتساب إِلى الطِّبِّ والطَّعْن فِي الطِّبِّ ذَاتهِ، أو بَيْن اِدِّعاء العلْم والنَّهْي عن التَّساؤل. ويعالج هذَا التَّناقض الدَّاخليّ لُغَويا بِالتَّبجُّح والْمبالغة فِي اليقين، كأنَّ رَفْع الصَّوْتِ وتكْرَار الادِّعاء يُعوِّضَان غِيَاب الدَّليل.

ولَا تَكتَمِل هَذِه القراءة دُون اَلوُقوف عِنْد بُعْد جَوهَرِي هُو عَلاقَة الخطَاب بِجمْهوره. فوفْق مَا يُقَرره الباحث الاَّسْكتلندي أَلَان بِيل مِن أنَّ كُلَّ مُتَكلم يُشكِّل كلامه بِحَسب طَبِيعَة جُمْهُوره وتوقُّعاته، لَا يَنتِج أيُّ خِطَاب فِي فَرَاغ، بل يُصَاغ بِوَعي أو بِغَير وَعْي لِيلامس وتْرًا عِنْد فِئة بِعيْنها. وَهنَا يَستهْدِف الخطَاب جُمْهُورا يَشعُر بِالاغْتراب عن المؤسَّسات الرَّسْميَّة والْخبراء المعْتمدين، ويبْحث عن صَوْت يُعبِّر عن رَفضِه اَلرمْزِي ويمْنَحه شُعُور الإفْلات مِن القواعد المفْروضة. والتَّكْرار الإيقاعيُّ لِكلمة ” بَاشَاااا” لَيْس مُجرَّد فَاصِل بَلاغِي بريء، بل هُو طَقْس لُغَوي يُجدِّد فِي كُلِّ مَرَّة عَهْد الانْتماء بَيْن المتكلِّم وجمْهوره، ويرسِّخ هُويَّة جَماعِية قِوامهَا أَننَا نَحْن الَّذين نَعرِف الحقيقة اَلتِي تُخْفيهَا المؤسَّسات.

واللَّافتُ حقًّا أنَّ هَذِه الكلمات بَعْد رحيل صَاحبِها لَم تَندثِر، بل تَحولَت إِلى تُرَاث شَعبِي سَاخِر يَتَداوَل بِوصْفه كُوميدْيَا نَقدِية تَكشِف مَا أرادتْ فِي الأصْل إِخْفاءه. وَهذَا التَّحَوُّل بِالذَّات يُذَكرنَا بِمَا يقوله الباحث البلْجيكيُّ يان فانْسينَا عن الأدب الشَّفَهيِّ الحديث، إِذ أعادتْ مِنصَّات التَّواصل الاجْتماعيِّ المخْتلفة تَأطِير الخطَاب وقلبتْ وظيفته، فأصْبح اَلنَّص دليلا على نَفسِه وَشاهِدا على كَيْف يُمْكِن لِلْكلِمة الواثقة الصَّاخبة أن تُضَللَ، وكيْف يُمْكِن لِلسُّخْرية الجماعيَّة أنَّ تعرِّي مَا أَخفَاه الجمْهور طويلا وَرَاء الضِّحْكة.

إِنَّ دِراسة مِثْل هَذِه الخطابات لَيسَت ترفًا أكاديميًّا مُنْفصِلا عن الواقع، بل هِي ضَرُورَة ثَقافِية مُلحَّة فِي عَصْر تَتَكاثَر فِيه هَذِه الأصْوات وَتتسِع مِنصَّاتها، وتتراجع فِيه ثِقة شَرائِح وَاسِعة مِن النَّاس فِي المؤسَّسات العلْميَّة الرَّسْميَّة. فالْخَطر الحقيقيُّ لَا يَكمُن فِي صَاحِب الصَّوْتِ العالي وحْده، بل فِي التُّرْبة الاجْتماعيَّة الخصْبة اَلتِي تسْتقْبله وتنمِّيه وتعيد إِنْتاجه. ومَا لَم نَعُد تَأهِيل علاقتنَا بِاللُّغة تلقِّيًا ونقْدًا وتمْحيصا، فسنظلُّ نَستبْدِل خبيرًا بِآخر، وصوَّتَا بِصوْت، دُون أن نَقتَرِب خُطوَة وَاحِدة مِن الحقيقة. اَلقُدرة على التَّمْييز بَيْن من يَحمِل علمًا حَقيقِيا وبيْن من يُجيد عرْضه فحسْب، لَيسَت مَوهِبة فِطْريَّة، بل مَهارَة تَكتَسِب بِالْوَعْي والتَّدْريب والْجرْأة على التَّساؤل.