img 20260508 wa0001

اَلقُوة النَّاعمة المصْريَّة، اَللغَة والثَّقافة والْجَيْش

Img 20260508 Wa00016686614975489363435 1024x1024

اَلقُوة النَّاعمة المصْريَّة، اَللغَة والثَّقافة والْجَيْش
قَبْل أن يُولَد مُصطَلَح ” اَلقُوة النَّاعمة ” على يد جُوزيف ناي فِي أَروِقة هارْفارْدْ، كَانَت مِصْر تُمارِسه مُنْذ آلاف اَلسنِين دُون أن تُسمِّيَه. فالْفرْعوْن اَلذِي نقش اِنْتصاراته على جُدْران الكرْنك لَم يَكُن يُسجِّل تاريخًا فحسْب، بل كان يُرْسِل رِسالة لِكلِّ من يَأتِي بعْده، هَذِه الأرْض لَهَا كَلمَة وكلمتهَا لََا تُنْسى. والْيوْم، على بُعْد آلاف الكيلومتْرات مِن الكرْنك، فِي صَحْراء أَبُو ظبْي، يَقِف فَخامَة اَلرئِيس عَبْد الفتَّاح السِّيسيّ أَمَام وَحدَة جَويَّة مُختارَة مِن أَحدَث مُقاتلات سِلَاح اَلجَو المصْريِّ، لِيكْمل مَا بَدأَه أجْداده مُنْذ آلاف السِّنين، وَهُو أنَّ مِصْر لَم تَكُن يوْمًا دَولَة على هَامِش التَّاريخ، بل كَانَت دائمًا فِي قَلبهِ.
حِين يَنظُر المحلِّلون إِلى خَرِيطَة الشَّرْق اَلْأَوسط اَلْيَوم، يروْن دُوَلا تَتَقاطَع مصالحهَا وتتشابك تحالفاتها. لَكِن ثَمَّة قِراءة أَعمَق يُقَدمهَا عِلْم الجغْرافْيَا اللُّغويَّة، ذَلِك الفرْع اَلذِي يَدرُس كَيْف تُشكِّل المساحات الجغْرافيَّة الهويَّات اللُّغويَّة والثَّقافيَّة. مِصْر لَيسَت مُجرَّد دَولَة بِحدود جُغْرافيَّة، بل هِي مَركَز ثِقل لُغَوي وحضاريٍّ تَتَمحوَر حَولَه تِسْعَة وعشْرون دَولَة نَاطِقة بِالْعربيَّة. فاللَّهْجة المصْريَّة هِي اللَّهْجة الوحيدة اَلتِي تُدْركهَا كُلُّ أُذُن عَرَبيَّة مِن اَلمحِيط إِلى الخليج، لَيْس لِأنَّهَا الأفْصح، بل لِأنَّ مِصْر أَنتَجت السِّينمَا والْمسْرح والْأغْنية والْكتاب اَلذِي وَحَّد الوجْدان العرَبيَّ قَبْل أن تَتَوحَّد الجيوش.
والتَّعاون العسْكريُّ اَلمصْرِي مع الإمارات لَيْس اِسْتثْناء مِن هَذِه المعادلة، بل هُو اِمْتدادهَا الطَّبيعيُّ، حَيْث يَذهَب اَلجنْدِي اَلمصْرِي تَذهَب اَللغَة والثَّقافة والْهويَّة مَعهُ. هذَا مَا يُسَميه عُلَماء السِّياسة اللُّغويَّة “الانْتشار اللُّغَويّ عَبْر التَّفاعل الإنْسانيِّ”، غَيْر أنَّ مِصْر تُمارِسه بِطريقة أَكثَر براعَة، دُون إِكْراه، وَدُون إِعلَان مُباهاة، وَدُون أن تَطلُب مِن أحد الاعْتراف بِأنَّهَا تَفعَل ذَلكَ.
مَا يُميِّز اَلحُنكة السِّياسيَّة الحقيقيَّة لَيْس اَلقُدرة على الخطابة، بل اَلقُدرة على الصَّمْتِ الاسْتراتيجيِّ المحْسوب. وَهُو مَا يَدرُسه علم التِّداولْيات حِين يَتَحدَّث عن “مَا يُقَال بَيْن السُّطور”، أيُّ المعْنى اَلذِي يُحَمله الفعْل دُون أن يَحْتاج إِلى كلمة.
لَم يَقِف فَخامَة اَلرئِيس السِّيسيُّ لِيلْقي خِطابًا بلاغيًّا، ولم يُصْدِر بيانًا يُفَاخِر بِمَا أنْجزَه. فعل شيْئًا أَكثَر بَلاغَة مِن كُلِّ ذَلكَ، أَرسَل طائراته. وحين وقف إِلى جَانِب سُمُو الشَّيْخ مُحمَّد بْن زَايِد يتفقَّدان معًا تِلْك الوحْدة اَلْجَوية المخْتارة، كَانَت الرِّسالة تُكتَب نفْسهَا بِلغة لََا تَحْتاج ترْجمَة، مِصْر شريك لََا تَكتَمِل المعادلة الإقْليميَّة بِدونِه، حُضوره ضَمانَة وغيابه فَرَاغ لََا يُمْلأ.
هذَا مَا يُسَميه جُون أُوسْتِن مُؤسِّس نَظَريَّة أَفعَال الكلَام “الفعْل الإنْجازي”، الكلَام اَلذِي يَفعَل بِمجرَّد أن يُقَالَ، أو فِي هَذِه الحالة الفعْل اَلذِي يَتَكلَّم بِمجرَّد أن يُنَفذَ. لَم يَقُل السِّيسيُّ “نَحْن نُدعِّم الإمارات”، بل كان الدَّعْم نفْسه. وَهذَا النَّهْج لََا يَأتِي مِن فراغ، فَفَخامَة اَلرئِيس السِّيسيَّ اَلذِي تَشكَّل فِكْره فِي أَرقَى المؤسَّسات العسْكريَّة، يُدْرِك أنَّ الاسْتراتيجيَّة الحقيقيَّة لَيسَت فِي إِشهَار اَلقُوة، بل فِي توْظيفهَا بِحكْمة تَجعَل اَلحُضور اَلمصْرِي رصيدًا لََا عِبْئًا فِي أيِّ مُعَادلَة إِقْليميَّة. التَّاريخ اَلذِي لََا يتكرَّر، بل يتعمَّق.
هَذِه لَيسَت المرَّة اَلأُولى اَلتِي تَنتَشِر فِيهَا قُوَّات مِصْرِية خَارِج حُدودها، فمصْر فِي عُهُود سَابِقة أَرسَلت جُنودَهَا إِلى أَكثَر مِن ساحة، ووقفتْ مع اَلخلِيج فِي لَحَظات عصيبَة. لَكِن مَا يَجرِي اليوْم يَختَلِف نوْعيًّا، فللْمَرَّة اَلأُولى فِي التَّاريخ اَلحدِيث تُعْلِن دَولَة خَليجِية رسْميًّا وعلنًا عن وُجُود قُوَّات مِصْرِية على أراضيها، وَهذَا الإعْلان بِالذَّات هُو الفعْل اللُّغَويُّ الأكْثر دَلالَة فِي هَذِه اَلقِصة كُلِّها.
فَمِن مَنظُور تَحلِيل الخطَاب اَلنقْدِي اَلذِي طَورَه نُورْمَان فِيركْلاف، حِين تُقرِّر دَولَة ذات سِيادة أن تُعْلِن عن وُجُود جَيْش شقيق على أَرضِها، فَإِنهَا لََا تُصْدِر خبرًا فحسْب، بل تُعيد رَسْم خَرِيطَة اَلثقَة فِي المنْطقة. وَهذِه الخريطة لَم تَرسُمها الأقْلام، بل رَسمُها فَخامَة اَلرئِيس السِّيسيَّ بِمَا أَرسَاه مِن علاقَات ثِقة رَاسِخة مع الإمارات، بُنيَت صبْرًا وتدرُّجًا على مدى سنوات، حَتَّى أَصبَحت الإمارات تَعتَز بِوجود المقاتلة المصْريَّة فِي سمائها.
يُنَبهنَا عِلْم اَللغَة الاجْتماعيُّ إِلى حَقِيقَة عميقَة، فالْهويات الجماعيَّة لََا تَتَشكَّل بِالْقرارات السِّياسيَّة وحْدهَا، بل بِالتَّفاعل اَليوْمِي المتراكم بَيْن البشَر. حِين يعيش اَلجنْدِي اَلمصْرِي فِي أَبُو ظبْي، ويتحَدَّث مع نَظيرِه الإماراتيِّ، ويتشارك معه لُغَة المهْنة ومصْطلحات الميْدان، فَإِن شيْئًا أَعمَق مِن التَّعاون العسْكريِّ يتشكَّل، تَتَشكَّل هُويَّة أَمنِية عَرَبيَّة مُشتركَة تَجمَع بَيْن حَضارَة النِّيل وَطمُوح الخليج، بَيْن تَارِيخ مِصْر اَلعرِيق وَرُؤيَة الإمارات المتجدِّدة.
وَهذَا فِي نِهاية المطَاف هُو الرِّهَان الأكْبر اَلذِي تُمَثله هَذِه الشَّراكة، لَيْس رِهانًا عَسكرِيا ضيِّقًا على دَفْع تَهدِيد آنيٍّ، بل رِهَان على إِعادة بِنَاء مَنظُومة أَمنِية عَرَبيَّة تَقُوم على التَّكامل الحقيقيِّ لََا على الشِّعارات. رِهَان يفْهمه من يَقرَأ التَّاريخ جيِّدا، أنَّ الحضارات العظيمة لََا تُبنَى بِالْحروب فحسْب، بل بِالْقدْرة على أن تَكُون ضَرُورَة لِمن حوَّلهَا.
يَقُول المؤرِّخون إِنَّ الحضارة المصْريَّة صَمدَت آلاف اَلسنِين لِأنَّهَا كَانَت تُقدِّم دائمًا شيْئًا لََا يَجِد الآخرون سبيلا لِلاسْتغْناء عَنهُ، مَرَّة كَانَت الحبوب، وَمرَّة كَانَت العلوم، وَمرَّة كَانَت الثَّقافة، والْيَوْم تُقدِّم الأمْن والاسْتقْرار.
وحين تُصْبِح مِصْر ضَرُورَة لََا مُجرَّد خِيار، فَذلِك لَيْس ضعْفًا فِي الآخرين، بل قُوَّة فِيهَا هِي. قُوَّة تَتَجاوَز عدد الطَّائرات وحجْم التِّرْسانة، لِتسْكن فِي مَكَان أَرسَخ وأبْقَى، فِي الوجْدان العرَبيِّ المشْترك اَلذِي ظَلَّت مِصْر طَوَال تاريخهَا لُغتَه اَلأُم اَلتِي تَجمَع مَا تُفَرق.
حِفْظ اَللَّه مِصْر ورئيسهَا اَلجُسور المقْدام، حَارِس السِّيادة ودرْع الكرامة، وَشَعبهَا العريق. وأبْقى مِصْر حِصْنًا لِلْكرامة والسِّيادة، لِتَظل رايتَهَا عاليَةً، وَشَعبهَا آمنًا مُطْمئنًّا، يَنعَم بِالْأَمْن والسَّلام.