
مِنْ اَلتَّوْقِيعِ إِلَى اَلْأَثَرِ: اَلتَّعَاوُنُ اَلدَّوْلِيُّ اَلْحَقِيقِيُّ فِي اَلتَّعْلِيمِ اَلْعَالِي
يَكثُر اَلحدِيث فِي الأوْساط الأكاديميَّة عن التَّعاون اَلدوْلِي بِوصْفه عَلامَة على الانْفتاح والْحداثة، وَتَكاد مُذكرَات التَّفاهم والاتِّفاقيَّات المشْتركة تُصْبِح جُزْءًا ثابتًا مِن المشْهد الجامعيِّ. لَكِن بَيْن التَّوْقيع على الورق وَظهُور الأثر فِي الواقع مَسافَة واسعَة، وَهِي المسافة اَلتِي تَفصِل بَيْن التَّعاون اَلشكْلِي والتَّعاون الحقيقيِّ. فليْس كُلُّ تَعاوُن دَولِي يُحقِّق قِيمة مُضافَة، وليْس كُلّ شَراكَة تَحمِل فِي دَاخلِها مَشرُوعا مَعرفِيا أو تعْليميًّا نافعا. وَمِن هُنَا تَأتِي أَهَميَّة النَّظر إِلى التَّعاون اَلدوْلِي فِي التَّعْليم العالي بِاعْتباره أَدَاة لِلتَّغْيير لَا مُجرَّد عُنْوان بُروتوكوليٍّ.
التَّعاون اَلدوْلِي الحقيقيُّ يَبدَأ حِين تُدْرِك الجامعات أنَّ المعْرفة لَم تَعُد مَحصُورة دَاخِل اَلحُدود الوطنيَّة، وأنَّ التَّحدِّيات اَلكُبرى فِي التَّعْليم والْبَحْث اَلعلْمِي لَا يُمْكِن مُعالجتهَا مُنْفردةً. فالْعالم اليوْم يُوَاجِه قضايَا مُتشابكة مِثْل التَّحَوُّل الرَّقْميِّ، وأمْن الغذاء، والطَّاقة، والذَّكاء الاصْطناعيِّ، وَصحَّة الإنْسان، والتَّغيُّر المناخيِّ، وَهذِه القضايَا تَتَطلَّب شراكَات عَابِرة لِلْحدود. لِذَلك لَم يَعُد التَّعاون اَلدوْلِي ترفًا مُؤسَّسيًّا، بل أَصبَح ضَرُورَة اِسْتراتيجيَّة لِتطْوِير الأدَاء الأكاديميِّ وَتعزِيز اَلقُدرة التَّنافسيَّة لِلْمؤسَّسات التَّعْليميَّة.
وَفِي السِّيَاق المصْريِّ، شَهِد التَّعْليم العالي خِلَال السَّنوات الأخيرة اِنْفتاحًا مَلحُوظا على الشَّراكات الخارجيَّة، سَوَاء مع جامعَات عربيَّة، أو أُوروبِّيَّة، أو آسْيويَّة، أو أمْريكيَّة. وقد اِتَّخذ هذَا الانْفتاح صُوَرا مُتعدِّدةً، مِنهَا البرامج المشْتركة، والتَّبادل الطُّلَّابيّ، والتَّعاون البحْثيّ، والدَّرجات المزْدوجة، والْمشْروعات العلْميَّة العابرة لِلْحدود. وَهذِه الخطوات تَعكِس وعْيًا مُتزايدًا بِأنَّ الجامعة المصْريَّة لَا يَنبَغِي أن تَبقَى فِي إِطَار محلِّيٍّ ضيِّق، بل يَجِب أن تَكُون جُزْءًا مِن حَركَة عِلْميَّة دَولِية أَوسَع. غَيْر أنَّ هذَا الانْفتاح، مَهمَا اِتسعَ، يظل بِحاجة إِلى تَقيِيم دقيق حَتَّى لَا يَتَحوَّل إِلى مُجرَّد مَظاهِر خارجيَّة.
المشْكلة اَلكُبرى فِي كثير مِن صُوَر التَّعاون اَلدوْلِي أَنهَا تَنتَهِي عِنْد لَحظَة الإعْلان. تَوقُّع الاتِّفاقيَّات، وتلْتَقط الصُّوَر، وتنْشر الأخْبار، ثُمَّ لَا يَظهَر بُعْدُها سِوى اَلقلِيل مِن النَّتائج الملْموسة. هُنَا يَتَراجَع المعْنى الحقيقيُّ لِلتَّعاون، وَيصبِح مُجرَّد شَكْل إِداريٍّ لَا يُغيِّر كثيرًا فِي جَودَة التَّعْليم أو اَلبحْثِ. أَمَّا التَّعاون الفعَّال فَهُو اَلذِي يَترُك أثرًا واضحًا فِي المناهج، وَفِي قُدرات الباحثين، وَفِي فُرَص الطُّلَّاب، وَفِي إِنتَاج المعْرفة المشْتركة. وَلِهذَا فَإِن المعْيار الأصْدق لَيْس عدد الاتِّفاقيَّات، بل عدد المشْروعات اَلتِي نَجحَت فِي الاسْتمْرار والْإضافة.
وَمِن أهمِّ شُرُوط التَّعاون اَلدوْلِي الحقيقيِّ أن يَقُوم على المنْفعة المتبادلة. فلَا مَعْنى لِشراكة يَستفِيد مِنهَا طرف وَاحِد بيْنمَا يظلُّ الطَّرف الآخر مُجرَّد مُتلَق أو مُنَفذ. التَّعاون النَّاجح هُو اَلذِي يَعتَرِف بِأنَّ كُلَّ طرف يَمتَلِك مَا يُقدِّمه: خِبْرة، أو بِنْيَة تحْتيَّة، أو مَوارِد بشريَّة، أو مَعرِفة تطْبيقيَّة، أو تَنوُّع ثَقافِي. وعنْدَمَا تَتَكامَل هَذِه العناصر، يَتَحوَّل التَّعاون مِن عَلاقَة شَكلِية إِلى شَراكَة إِنْتاجيَّة. كمَا أنَّ الاسْتدامة هُنَا ضروريَّة، لِأنَّ التَّعاون اَلمُؤقت قد يَنجَح فِي البداية لَكنَّه يَفقِد قِيمته إِن لَم يَتَحوَّل إِلى عَلاقَة مُؤسَّسِيَّة طَوِيلَة المدَى.
وَمِن زَاوِية أُخْرى، لَا يَنبَغِي أن يظلَّ التَّعاون اَلدوْلِي حِكْرًا على الإدارات اَلعُليا أو مَكاتِب العلاقات الخارجيَّة، بل يَجِب أن يَمتَد إِلى دَاخِل العمليَّة التَّعْليميَّة نفْسهَا. فالطَّالب اَلذِي يُشَارِك فِي برْنامج تبادل، والْباحث اَلذِي يَعمَل ضِمْن فريق دوْليٍّ، وَعُضو هَيئَة التَّدْريس اَلذِي يَتَفاعَل مع خِبْرَات أكاديميَّة مُخْتلفة، جميعهم يُساهمون فِي بِنَاء مُؤَسسَة أَكثَر اِنْفتاحًا وحيويَّةً. وهكذَا يَتَحوَّل التَّعاون اَلدوْلِي مِن إِجرَاء رَسمِي إِلى خِبْرَة يَومِية تُثْرِي التَّعْليم وَتَوسَّع اَلأُفق وَتَدعَّم الابْتكار.
كمَا أنَّ التَّعاون اَلدوْلِي الحقيقيَّ يَحْتاج إِلى اِختِيار ذَكِي لِلْمجالات ذات الأوْلويَّة. فَبدَّل الشَّراكات العامَّة اَلتِي تظلُّ عائمَةً، يُمْكِن التَّرْكيز على مجالَات بِعيْنِهَا ذات أثر مُباشِر، مِثْل المياه، والصِّحَّة العامَّة، والطَّاقة، واللُّغة العربيَّة، والتَّعْليم الرَّقْميِّ، والذَّكاء الاصْطناعيِّ، والْبيئة. فِي هَذِه المجالات، يُصْبِح التَّعاون أَكثَر جَدوَى لِأَنه يَرتَبِط بِمشْكِلة وَاضِحة وَنَتيجَة قَابِلة لِلْقياس. كمَا أنَّ الشَّراكات المتخصِّصة تُسَاعِد الجامعات على تَوجِيه مواردهَا المحْدودة نَحْو أَهدَاف حَقيقِية بدلا مِن تبْديدهَا فِي أَنشِطة رمْزيَّة.
إِنَّ الانْتقال مِن التَّوْقيع إِلى الأثر لَيْس مُجرَّد عِبارة جميلَة، بل هُو مِعيَار لِلْحكْم على جِدِّية المؤسَّسات. فالتَّعاون اَلدوْلِي النَّاجح هُو اَلذِي يَترُك أثرًا مَلمُوسا فِي حَيَاة الطُّلَّاب، وَفِي مُستَوَى البحْث العلْميِّ، وَفِي قُدرَة الجامعة على المنافسة، وَفِي علاقتهَا بِالْمجْتمع. أَمَّا التَّعاون اَلذِي لَا يَتَجاوَز حُدُود الإعْلان، فَإنَّه يظلُّ عُنْوانًا بِلَا مَضمُون. وَلذَلِك فَإِن التَّحَدِّي الأكْبر أَمَام مُؤسسَات التَّعْليم العالي لَيْس فِي إِقامة العلاقات، بل فِي تحْويلهَا إِلى معْرفَة، وَإلَى إِنْجاز، وَإلَى قِيمة مُسْتدامة.
وَفِي النِّهاية، يُمْكِن القوْل إِنَّ التَّعاون اَلدوْلِي الحقيقيّ فِي التَّعْليم العالي هُو ذَلِك اَلذِي يَربُط بَيْن الرُّؤْية والتَّنْفيذ، وبيْن الانْفتاح والْأثر، وبيْن الشَّراكة والنَّتيجة. وعنْدَمَا تَنجَح الجامعات فِي هذَا التَّحوُّل، فَإِنهَا لَا تَكتَفِي بِالْمشاركة فِي العالم، بل تُصْبِح فَاعِلة فِي صِناعته. وَهذَا هُو الفارق الحقيقيُّ بَيْن تَوقِيع اِتِّفاقيَّة، وصناعة مُسْتقْبل

