لم يعد تطوير التَّعليم الفنِّيِّ والتِّقنيِّ مجرَّد مطلب إصلاحيّ أو خطوة تكميليَّة، بل أصبح ضرورة استراتيجيَّة يفرضها الواقع الاقتصاديُّ والاجتماعيُّ. في عالم يتسارع فيه التَّطوُّر التِّكنولوجيُّ وتزداد فيه الحاجة إلى الكفاءات المتخصِّصة، يظلّ التَّعليم الفنِّيُّ أحد الرَّكائز الأساسيَّة لبناء قاعدة إنتاجيَّة قادرة على المنافسة محلِّيًّا وإقليميًّا وعالميًّا. ومن هنا تأتي أهمِّيَّة وضع منظومة وطنيَّة موحَّدة وملزمة للتَّدريب العمليِّ، باعتبارها الضَّمانة الأساسيَّة لرفع كفاءة الخرِّيجين، وتعزيز فرصهم في سوق العمل، وضمان مساهمة هذا النَّوع من التَّعليم في دعم الاقتصاد الوطنيِّ.

تؤكِّد التَّقارير الدَّوليَّة أنَّ الاقتصادات الَّتي راهنت على التَّعليم الفنِّيِّ والتِّقنيِّ المدعوم ببرامج تدريب عمليّ قويَّة حقَّقت قفزات نوعيَّةً في الإنتاجيَّة وجذب الاستثمارات. وتجربة ألمانيا والنِّمسا والنُّمور الآسيويَّة مثال واضح على أنَّ الدَّمج بين التَّعليم النَّظريِّ والتَّطبيق العمليِّ هو الأكثر فاعليَّةً لإيجاد قوًى عاملة مؤهَّلة قادرة على قيادة النُّموِّ الصِّناعيِّ والتِّكنولوجيِّ. وفي السِّياق المصريِّ، فإنَّ الخطوات الَّتي تتَّخذها الدَّولة بقيادة فخامة الرَّئيس عبد الفتَّاح السِّيسي لإعادة الاعتبار إلى التَّعليم الفنِّيِّ والتِّقنيِّ تعد إشارة واضحة على وعي القيادة السِّياسيَّة بأهمِّيَّة هذا الملفِّ الحيويِّ.

جاءت توجيهات فخامة الرَّئيس عبد الفتَّاح السِّيسي واضحة وصريحة، حيث شدَّد على أنَّ التَّعليم الفنِّيَّ والتِّقنيَّ يمثِّل قضيَّة أمن قوميّ، وأنَّ تطويره لا يقلُّ أهمِّيَّةً عن مشروعات البنية التَّحتيَّة أو المبادرات الاقتصاديَّة الكبرى. الرَّئيس أكَّد مرارًا أنَّ بناء الإنسان المصريِّ لا يقتصر على التَّعليم الجامعيِّ أو العام، بل يشمل إعادة الاعتبار للتَّعليم الفنِّيِّ والتِّقنيِّ باعتباره المدخل الحقيقيِّ لإعداد كوادر قادرة على مواكبة متغيِّرات سوق العمل والمشاركة في النَّهضة الصِّناعيَّة الَّتي تسعى الدَّولة لتحقيقها.

أكَّد فخامة الرَّئيس السِّيسي في أكثر من مناسبة على أهمِّيَّة تأهيل الشَّباب لسوق العمل، وربط مخرجات التَّعليم باحتياجات الاقتصاد. وتأتي دعوته المتكرِّرة إلى تغيير الثَّقافة المجتمعيَّة تجاه التَّعليم الفنِّيِّ والتِّقنيِّ لتؤكِّد أنَّ الإرادة السِّياسيَّة حاضرة، لكنَّ الأمر يحتاج إلى منظومة تنفيذيَّة شاملة تترجم هذه التَّوجيهات إلى برامج ملموسة. ولعلَّ البداية تكون بإنشاء إطار وطنيّ موحَّد يحدِّد معايير التَّدريب العمليِّ، ويوفِّر التَّمويل المستدام له، ويلزم المؤسَّسات التَّعليميَّة والصِّناعيَّة بالمشاركة فيه.

وتنفيذًا للرُّؤية الثَّاقبة لفخامة الرَّئيس، يصبح وضع منظومة وطنيَّة موحَّدة للتَّدريب العمليِّ أمرًا لا يحتمل التَّأجيل. هذه المنظومة ينبغي أن تقوم على أسس واضحة: أوَّلها صياغة مناهج مرنة تتوافق مع احتياجات القطاعات الإنتاجيَّة، ثانيها إلزام المؤسَّسات التَّعليميَّة بعقد شراكات حقيقيَّة مع المصانع والشَّركات لتوفير فرص تدريب ميدانيّ للطُّلَّاب، وثالثها إنشاء آليَّة متابعة وتقييم تضمَّن جودة التَّدريب وربطه بالمعايير الدَّوليَّة.

كما أنَّ هذه المنظومة يجب أن تتكامل مع سياسات الدَّولة الرَّامية إلى تشجيع الاستثمار، بحيث تصبح المخرجات التَّعليميَّة جزءًا من البنية الدَّاعمة لجذب الاستثمارات الأجنبيَّة والمحلِّيَّة. وجود خرِّيجين يمتلكون مهارات عمليَّة متطوِّرة يعني أنَّ المستثمر سيجد قاعدةً بشريَّةً جاهزةً للعمل والإنتاج، وهو ما يعزِّز جاذبيَّة السُّوق المصريِّ ويدعم خطط الدَّولة للتَّحوُّل إلى مركز صناعيّ وتكنولوجيّ إقليميّ.

ولعلَّ التَّجارب الدَّوليَّة تثبت أنَّ التَّعليم الفنِّيَّ والتِّقنيَّ لا يمكن أن يحقِّق أهدافه إلَّا إذا ارتبط بالتَّدريب العمليِّ الملزم. ألمانيا، على سبيل المثال، تعدّ نموذجًا ناجحًا لنظام التَّعليم المزدوج الَّذي يربط الطَّالب بمكان العمل منذ بداية دراسته، وهو ما جعلها واحدةً من أكثر الدُّول قدرةً على توفير قوًى عاملة ماهرة تلبِّي متطلَّبات اقتصادها الصِّناعيِّ.

إنَّ بناء منظومة وطنيَّة موحَّدة للتَّدريب العمليِّ في التَّعليم الفنِّيِّ والتِّقنيِّ لم يعد رفاهيةً ولا مطلبًا إصلاحيًّا عابرًا، بل استحقاقًا وطنيًّا يرتبط مباشرة بمستقبل شبابنا وقوَّة دولتنا. وقد أكَّد فخامة الرَّئيس عبد الفتَّاح السِّيسي أنَّ التَّعليم والتَّدريب هما مفتاح النَّهضة، وأنَّ الانطلاقة الحقيقيَّة لمصر لن تتحقَّق إلَّا بإعداد كوادر تجمع بين المهارة والمعرفة. إنَّ ترجمة هذه التَّوجيهات إلى خطوات عمليَّة هو الرِّهان الحقيقيُّ لمستقبل الوطن. فالتَّعليم الفنِّيُّ والتَّدريب العمليُّ ليسا مسارًا بديلاً، بل هما القاطرة الَّتي تدفع الاقتصاد الوطنيَّ، وترسَّخ مكانة مصر، وتضعها في موقعها المستحقِّ بين الأمم.

تحدِّيات مصر الحقيقيَّة لا تحسم في ميادين السِّياسة أو الاقتصاد وحدها، بل في ساحة بناء الإنسان. نجاح هذا المشروع الوطنيِّ يتطلَّب حكومةً تتحرَّك بخطوات واضحة، وقطاعًا خاصًّا يستثمر في الكفاءات، وجامعات حكوميَّة وأهليَّة وخاصَّة توحِّد جهودها لتخريج أجيال قادرة على المنافسة، إضافة إلى مجتمع مدنيّ يشارك بفاعليَّة. عندها فقط يمكن القول إنَّنا وضعنا الأساس لمستقبل يليق بمصر ومكانتها.

Scroll to Top