profarticls22

لا تقولوا ‘مترجمًا’ … قولوا ‘مُيسِّرًا للفهم وصانعًا للتواصل’

profarticls22

لا تقولوا ‘مترجمًا’ … قولوا ‘مُيسِّرًا للفهم وصانعًا للتواصل’
ليست هذه دعوة إلى إلغاء اسم المترجم، ولا بحثًا عن لقب أكثر بريقًا لمهنة عريقة، وإنما هي دعوة إلى مراجعة الصورة التي نستحضرها حين ننطق هذا الاسم. فإذا كنا لا نرى في المترجم سوى ناقلٍ للكلمات من لغة إلى أخرى، فإننا نختزل عملًا بالغ الدقة في جانبه الظاهر، ونغفل ما ينطوي عليه من فهم وتأويل واختيار ومسؤولية. ومن هنا أقترح أن نُطلق عليه وصف ‘مُيسِّر الفهم وصانع التواصل’؛ لا لمجرد تغيير التسمية، بل لتغيير النظرة إلى ما يؤديه من دور.
فبين أن ننقل كلامًا وأن نُتيح فهمه مسافة لا تقطعها معرفة المفردات وحدها. قد نجد لكل كلمة مقابلًا، ثم لا نجد في النص الناتج روح المعنى الذي أراده صاحبه. وقد تبدو العبارة سليمة في تركيبها، لكنها توحي للقارئ بما لم يقصده الكاتب، أو تُخفي عنه ما كان واضحًا لجمهور النص الأصلي. هنا تبدأ المسألة التي أريد إبرازها، ليست الترجمة مقابلةً بين ألفاظ فحسب، وإنما هي عملٌ على إقامة الفهم بين طرفين لا تجمعهما لغة واحدة.
ولنتأمل عبارة ساخرة ظاهرها الثناء وباطنها النقد. إن نقل كلماتها دون الانتباه إلى نبرتها قد يحوّل الاعتراض إلى موافقة، والتهكم إلى إعجاب. ولنتصور نصًا يستدعي مثلًا شعبيًا أو واقعة تاريخية أو عادة اجتماعية؛ فما يستحضره القارئ الأول تلقائيًا قد لا يخطر ببال القارئ الآخر أصلًا. عندئذ لا تكفي سلامة العبارة، بل يصبح السؤال ‘كيف نُتيح للقارئ أن يدرك المقصود، دون أن نضيف إلى النص ما ليس منه، أو نحذف منه ما يمنحه خصوصيته؟’
بهذا المعنى يكون المترجم مُيسِّرًا للفهم. والتيسير الذي أقصده ليس تسطيح الأفكار، ولا اختصار النصوص، ولا إحلال المألوف محل كل غريب. فليس كل غموض عيبًا يجب إزالته، ولا كل اختلاف عقبة ينبغي محوها. قد يكون التعقيد جزءًا من طبيعة الفكرة، وقد تكون غرابة التعبير عنصرًا مقصودًا في تجربة القراءة. إنما تتمثل مسؤولية المترجم في التمييز بين صعوبة تنتمي إلى النص، وصعوبة صنعتها ترجمة لم تُحسن التعبير عنه.
ولذلك فإن مُيسِّر الفهم لا يعفي القارئ من التفكير، بل يحرص على ألّا ينشغل بعوائق كان يمكن تجنبها. لا يشرح له كل شيء، ولا يتركه كذلك أمام تركيب منقول لا يستقيم في لغته. إنه يبحث عن صياغة تمكّن القارئ من الاقتراب من النص، مع الاحتفاظ بما يستحق أن يظل فيه من كثافة وتعدد واحتمال.
أما وصفه بأنه ‘صانع للتواصل’، فالمقصود به أن عمله لا ينتهي عند إنتاج نص صحيح لغويًا؛ إذ تظل أمامه غاية أخرى، وهى أن تصل الرسالة إلى مخاطَب جديد، بما يحفظ معناها وموقف صاحبها وحدود ما يقوله. فهناك فرق بين عبارة تجزم وأخرى ترجّح، وبين رأي شخصي ومعلومة منقولة، وبين تحذير قاطع وتنبيه متحفظ. وإذا ضاعت هذه الفروق، فقد تصل الكلمات، بينما يختل التواصل.
وصناعة التواصل هنا لا تعني صناعة الاتفاق. فليس مطلوبًا من المترجم أن يجعل القارئ مقتنعًا بالكاتب، ولا أن يُلطّف كل رأي صادم، ولا أن يُسوّي الخلاف بين الثقافات. قد ينجح التواصل حين نفهم الرأي الذي نختلف معه فهمًا دقيقًا. وتلك، في تقديري، قيمة جوهرية لهذا الدور، أن يجعل الاختلاف سبيلًا إلى الفهم، لا مصدرًا للالتباس.
غير أن هذه الرؤية تقتضي قدرًا أكبر من الانضباط، لا مساحة أوسع للتصرف بلا حدود. فالمترجم الذي يُدرك أثر اختياراته لا يضع نفسه مكان المؤلف، ولا يتخذ من تيسير الفهم ذريعة لإعادة تشكيل النص وفق قناعاته. إنما يسأل نفسه باستمرار ‘هل أوضحتُ المعنى أم غيّرته؟’ ‘هل حفظتُ نبرة الكاتب أم فرضتُ نبرتي؟’ و ‘هل يحتاج القارئ إلى هذا الشرح حقًا، أم أنني أتدخل فيما ينبغي أن يظل متروكًا له؟’
ومن هنا، لا أرى الأمانة والتيسير غايتين متعارضتين. فالأمانة التي أدعو إليها ليست التمسك بظاهر الكلمات ولو أفضى إلى التباس المعنى، كما أن التيسير ليس إطلاق اليد في النص طلبًا للسلاسة. المطلوب موازنة واعية، أن يكون النص مفهومًا دون أن يُفرَّغ من خصوصيته، وأمينًا دون أن يصبح أسيرًا لبنية لغوية غريبة عن قارئه. وحين تستدعي الضرورة شرحًا أو تعليقًا، ينبغي أن يتبين للقارئ ما يقوله المؤلف وما يوضحه المترجم.
إن تبنّي هذا التصور يدعونا أيضًا إلى مراجعة الطريقة التي نُعدّ بها المترجم ونُقيّم بها عمله. فلا ينبغي أن يقتصر اهتمامنا على معرفته باللغتين، على أهميتها، وإنما يمتد إلى قدرته على القراءة الدقيقة، والبحث عن السياق، والتمييز بين المقاصد، والكتابة لجمهور محدد. كما ينبغي ألّا يكون سؤالنا الوحيد عند تقييم الترجمة ‘هل نُقلت جميع الكلمات؟” بل أن نسأل أيضًا ‘هل وصل المعنى؟’ و ‘هل حُفظت النبرة؟’ و ‘هل نُسب إلى الكاتب ما قاله فعلًا، دون زيادة أو انتقاص؟’
وليس المقصود أن نستبدل مسمى مهنيًا مألوفًا بعبارة طويلة في كل وثيقة أو مناسبة. إنما أقترح وصفًا يُعيد توجيه النظر إلى جوهر المهمة، ويُخرج المترجم من الصورة الضيقة التي تحصره في استبدال الألفاظ. فحين أقول ‘مُيسِّر الفهم وصانع التواصل’، فإنني أضع أمامكم معيارًا للمسؤولية، لا لقبًا للتكريم فحسب.
لهذا أقول لا تقولوا ‘مترجمًا’ وأنتم تقصدون ناقل كلمات. قولوا ‘مُيسِّرًا للفهم وصانعًا للتواصل’، ثم انظروا إلى عمله على هذا الأساس. فهو لا يستطيع أن يضمن اتفاق الناس، لكنه يستطيع أن يعمل على ألّا يكون اختلاف لغاتهم حائلًا دون فهم بعضهم بعضًا. وبين نقل الكلام وإمكان الفهم، تتحدد قيمة الدور الذي أدعو إلى إعادة تسميته.