
كَيْف كتب فَخامَة اَلرئِيس فصْلا جديدًا فِي سَردِية الجمْهوريَّة الجديدة فِي خِطَاب تَكرِيم مُنْتخبنَا الوطَنيِّ
لَم يَكُن اِسْتقْبال فَخامَة اَلرئِيس عَبْد الفتَّاح السِّيسيّ لِلاعِبي المنْتخب الوطَنيِّ وتكْريمهم فِي مَدِينَة العلمين مُجرَّد مُنَاسبَة اِحْتفاليَّة عابرَة، بل كان لَحظَة خَطابِية كَثِيفَة الدَّلالة يُمْكِن قِراءتهَا بِعمْق مِن مَنظُور تَحلِيل الخطَاب النَّقْديِّ. فحين اِستهَل فَخامَة اَلرئِيس كَلِمتَه بِالْقوْل: “أُوجِّه لَكُم اَلتحِية والتَّقْدير والاعْتزاز، أداؤكم كان أَدَاء أَكثَر مِن مُشرَّف”، فَإنَّه لََا يَصِف مُبارَاة أو نتيجَةً، بل يَفتَح مِساحة رَمزِية أَوسَع يَتَحوَّل فِيهَا التَّكْريم الرِّياضيُّ إِلى تَكرِيم لِلدَّوْلة ذاتهَا، بِوصْفِهَا كِيانًا يَعرِف كَيْف يُقدِّر أبْناءه ويحوِّل إِنْجازهم إِلى مَعنَى جَماعِي. وَمُنذ اَلجُملة الأولى، يَتضِح أنَّ الخطَاب لََا يُخَاطِب اللَّاعبين بِصفتِهم الفرْديَّة فحسْب، بل يُخَاطِب مِن خِلالِهم صُورَة أَوسَع عن مِصْر ذاتهَا؛ دَولَة تَخْتار أن تَبدَأ كَلَامهَا بِالتَّقْدير قَبْل التَّقْييم، وبالاعْتزاز قَبْل المطالبة.
وَفْق نَظَريَّة فِيركْلوف فِي تَحلِيل الخطَاب النَّقْديِّ، لََا تَقرَأ اَللغَة بِمعْزل عن السُّلْطة والسِّياق الاجْتماعيِّ اَلذِي أنْتجها؛ فالْخطاب فِعْل يُعيد تَشكِيل العلاقة بَيْن القائد وَشعبِه، لََا مُجرَّد وَصْف مُحَايِد لِواقعة. وَهذَا مَا يَتَجلَّى بِوضوح حِين قال فَخامَة الرَّئيس: “اِحتِرام اَلجمِيع لَكُم هُو الأهمُّ وأَكثَر مِن الانْتصار”، فِي عَمَليَّة إِعادة تَأطِير دَقِيقَة تُبْدِل مِعيَار اَلحُكم على الحدث مِن النَّتيجة الرَّقْميَّة إِلى اَلرصِيد اَلرمْزِي والْمعْنويِّ. هَذِه النَّقْلة اللُّغويَّة لَيسَت تفْصيلا بَلاغِيا عابرا، بل جَوهَر مَا يُمْكِن تسْميَته بِخطاب الجمْهوريَّة الجديدة؛ دَولَة تقيس نفْسهَا بِمنْطق البنَاء المسْتدام والْقيمة الأخْلاقيَّة، لََا بِمنْطق الكسْب اَللحْظِي وحْده. فالانْتصار هُنَا لََا يُقَاس بِعَدد الأهْداف أو نَتائِج المباريات، بل بِمَا تَركَه الأدَاء مِن أثر فِي نُفُوس الآخرين، وَهُو مِعيَار أَقرَب إِلى مَنطِق الدَّوْلة اَلتِي تَبنِي سُمْعتهَا على المدى اَلطوِيل لََا على الحدث العابر.
ومن منظور فان دايك في التحليل الأيديولوجي للخطاب السياسي، يعمل النص على تعظيم إيجابيات الجماعة الوطنية وتقليص المسافة بين القائد وشعبه عبر ضمير الجماعة المتكرر: “نحن”، “شعبنا العظيم”، “كل الدعم لكم”. فحين قال فخامة الرئيس: “لقد أدخلتم البهجة والفرحة على الجميع”، يتحول اللاعبون من فاعلين رياضيين إلى ممثلين لهوية وطنية جامعة، ويصبح تكريمهم تكريمًا للشعب بأكمله الذي شاركهم الفرحة والانتظار. هذا الدمج بين الفردى والجماعي هو أحد أعمق آليات الخطاب الأيديولوجي؛ فهو لا يمنح المكرَّمين شرفًا خاصًا فقط، بل يعيد توزيع هذا الشرف على الشعب المصري كله بوصفه شريكًا في الإنجاز. وبهذا المعنى، فإن التكريم الذي تلقاه اللاعبون في العلمين لم يكن مخصصًا لهم وحدهم، بل كان بمثابة استعادة رمزية لثقة الشعب في قدرته الجماعية على الإنجاز، يوظفها فخامة الرئيس لترسيخ شعور عام بالفخر والانتماء.
ذهب الخطَاب أَبعَد مِن الاحْتفاء، حِين أَعلَن فَخامَة اَلرئِيس اِسْتعْداد الدَّوْلة لِدَعم “أَصحَاب الكفاءات والْقدرات”، مُنْتقِلا مِن اللَّحْظة الرَّمْزيَّة إِلى الرُّؤْية المسْتقْبليَّة، وَمِن التَّكْريم إِلى التَّخْطيط المؤسَّسيِّ. وَهذَا الانْتقال هُو بِالضَّبْط مَا يَربُط هذَا الخطَاب بِمشْروع الجمْهوريَّة الجديدة؛ فمصْر، كمَا وضح جليًّا فِي الخطاب، لَم تَحتَفِل بِإنْجَاز الماضي فحسْب، بل اِسْتثْمرتْ فِيه بِوصْفه نموذَجًا يُحتَذَى لِصناعة المسْتقْبل، عَبْر رِعاية الكفاءات وبناء الإنْسان قَبْل أيِّ إِنجَاز آخر. وَبِهذَا تَحوَّل تَكرِيم اَلفرِيق إِلى إِعلَان ضِمْنِي عن فَلسفَة فَخامَة اَلرئِيس اَلتِي تَقُوم على الاسْتثْمار فِي القدرات الوطنيَّة، لََا على الاحْتفال العابر بِنتائجها. فالْجمْهوريَّة الجديدة، بِحَسب مَا تَكرَّر فِي الخطاب، لَم تَبْن فقط بِالطُّرق والْمصانع والْعاصمة الإداريَّة، بل أيْضًا بِمنْظومة قِيم كَرمَت اَلجُهد واعْترفتْ بِالْكفاءة أَينَما وُجدتْ، وَهُو مَا يُفسِّر حِرْص فَخامَة اَلرئِيس على أن يَجعَل هَذِه اللَّحْظة الرِّياضيَّة مُنَاسبَة وَطَنيَّة لِتكْرِيس هَذِه القيم أَمَام الرَّأْي العامِّ.
اللَّافتُ أيْضًا أنَّ الخطَاب اِسْتدْعى مَفهُوم ‘اِسْم مِصْر’ مِرارا، بِوصْفه المرْجعيَّة اَلكُبرى اَلتِي يُقَاس بِهَا كُلّ جُهْد فَردِي أو جَماعِي. فحين قال فَخامَة اَلرئِيس إِنَّ مَا تَحقَّق هُو “جُهْد مَشكُور وإخْلَاص كبير بِاسْم مِصْر”، تَحولَت الرِّياضة فِي مِصْر مِن نَشَاط تنافسيٍّ إِلى فِعْل تمْثيليٍّ سِيادِيٍّ، يَحمِل اِسْم الوطن على أَكتَاف لَاعبيه. وَبرَز فِي هذَا السِّيَاق تَوظِيف وَاضِح لِمفْردات “الهيْبة” و”الصُّورة” و “التَّمْثيل”، سعى مِن خِلاله الخطَاب إِلى تَرسِيخ صُورَة مِصْر الجديدة دَاخلِيا وخارجيًّا، وَربَط كُلّ إِنجَاز جُزْئِي بِمكانة الدَّوْلة كَكُل. وهكذَا، فَإِن كُلَّ جُملَة تَكرِيم مُوَجهَة لِلَّاعبين لَم تَكُن تَحمِل مَعْنى واحدًا فقطْ، بل طَبقَة ثَانِية أَعمَق، رِسالة مُوَجهَة لِلْعالم مُفادها: إِنَّ مِصْر قَادِرة على أن تَصنَع نموذَجًا يُحْتذَى، سَوَاء فِي الملْعب أو فِي مُؤسسَات الدَّوْلة.
فِي نِهاية المطاف، لََا يُكرِّم خِطَاب فَخامَة اَلرئِيس مُنْتخبنَا الوطْنى فقطْ، بل يَكتُب سَردِية مُكَثفَة عن دَولَة تُؤْمِن بِالْقدْرة، وتقدِّم الاحْترام على الانْتصار، وتسْتثْمر فِي الإنْسان بِوصْفه أَصْل أيِّ إِنجَاز مُقْبِل. وَهذَا بِالضَّبْط مَا يَجعَل مِن لَحظَة التَّكْريم نموذَجًا خَطابِيا دقيقًا لِفَهم كَيْف تَتَحوَّل اَلكلِمة الرَّسْميَّة إِلى أَدَاة لِصياغة هُويَّة جماعيَّة، وكيْف يُمْكِن لِتكْرِيم فريق رِياضيٍّ أن يَحمِل داخله مَلامِح مَشرُوع دَولَة بِأكْمله: الجمْهوريَّة الجديدة اَلتِي تُريد أن تُقَاس بِقيمتهَا لََا بِلحْظتهَا فقطْ، وأن تُبنَى بِثقة مُتَجددَة فِي أبْنائهَا أَكثَر مِن أيِّ شِعَار عابر.
حفِظَ اللهُ مصرَ أرضًا وتاريخًا، ورئيسَها سندًا وعزمًا، وشعبَها الأصيلَ فخرًا وانتماءً، وأدامَ عَلَينا جميعًا نعمةَ الفرحِ وبهجةَ الانتصارِ، في ظلِّ وطننا الغالي مصر.

