profart41icls

قِراءة لُغَويَّة فِي خِطَاب فَخامَة اَلرئِيس فِي اِفتِتاح الأوكْتاجون

profart41icls

قِراءة لُغَويَّة فِي خِطَاب فَخامَة اَلرئِيس فِي اِفتِتاح الأوكْتاجون
يُعد خِطَاب فَخامَة اَلرئِيس عَبْد الفتَّاح السِّيسيّ فِي اِفتِتاح مقرِّ القيادة الاسْتراتيجيَّة بِالْعاصمة الجديدة نموذَجًا واضحًا لِلْخطَاب السِّياسيِّ اَلذِي يَتَجاوَز الوظيفة الإخْباريَّة إِلى الوظيفة الرَّمْزيَّة والتَّأْسيسيَّة، إِذ لََا يُقدِّم الافْتتاح بِاعْتباره حدثًا عُمْرانيًّا أو مُؤسَّسِيًّا فحسْب، بل يَربُطه بِمسار الدَّوْلة المصْريَّة الحديثة، وبمعاني اَلقُوة والسِّيادة والاسْتقْرار. وَمِن ثَمَّ، فَإِن القراءة اللُّغويَّة لِهَذا الخطَاب تَكشِف عن بِنَاء واعٍ لِلْمعْنى، حَيْث تَتَحوَّل الكلمات إِلى أَدوَات لِإنْتَاج رُؤيَة سِياسِيَّة مُتكاملة، لََا مُجرَّد وَسِيلَة لِوَصف وَاقِع قائم.
مِن النَّاحية المعْجميَّة، يَرتَكِز الخطَاب على حُقُول دَلالِية مُتشابكة، أبْرزها: الوطَن، الأمْن القوْميُّ، البنَّاء، التَّنْمية، الهويَّة، العزيمة، الاسْتقْرار، والرَّدْع. هَذِه اَلحُقول لََا تَظهَر مُنْفصلةً، بل تَتَسانَد لِتشْكِيل صُورَة لُغَويَّة لِلدَّوْلة المصْريَّة بِوصْفِهَا كِيانًا حيًّا فِي حَالَة بِنَاء دائم، وَهُو مَا يَتسِق مع حُضُور مُفردَات مِثْل “صَرْح”، و “مقرٍّ”، و “القيادة الاسْتراتيجيَّة”، و “الجمْهوريَّة الجديدة”. وَفِي هذَا السِّياق، يُصْبِح “الأوكْتاجون” اِسْمًا لِلْمكان، لَكنَّه فِي الوقْتِ نَفسِه عَلامَة على هَندسَة الدَّوْلة الجديدة، أيْ على اِنتِقال الدَّوْلة مِن مُجرَّد التَّمْثيل إِلى الفعْل المؤسَّسيِّ المنظَّم.
أَمَّا على المسْتوى التَّرْكيبيِّ، فيميل الخطَاب إِلى اَلجُمل الخبريَّة ذات النَّفس الطَّويل، مع كَثافَة فِي التَّراكيب الاسْميَّة اَلتِي تَمنَح الكلَام طابعًا رسْميًّا رصينا، مَثَّل “مقرَّ القيادة الاسْتراتيجيَّة”، و “مَسِيرَة البنَاء والتَّنْمية”، و”حِماية الأمْن اَلقوْمِي”. كمَا اِعتمَد خِطَاب فَخامَة اَلرئِيس على آليَّات مُتَعددَة لِلتَّوْكيد، أبْرزهَا النَّفْي والتَّخْصيص والتَّكْرار، وَهُو مَا يَرفَع مِن قُوَّته التَّداوليَّة وَيحِد مِن تَعدُّد القراءات المتعارضة. ويظْهر ذَلِك فِي صِيغ مِثْل “لَن نَنحَنِي إِلَّا لِلَّه” و “حُدُود مِصْر خطّ أَحمَر”، إِذ لََا تَفهَم هَذِه العبارات بِوصْفِهَا تَقارِير خَبَريَّة فقطْ، وَإِنمَا بِوصْفِهَا أفْعالا خَطابِية تَرسُم حُدُود السِّيادة وتؤكِّد مجالها.

وَعلَى المسْتوى البلاغيِّ، يَقُوم الخطَاب على بِنْيَة قَائِمة على المقابلة والتَّضادِّ؛ إِذ يُسْتدْعَى الأمْن فِي مُوَاجهَة الاضْطراب، والْبناء فِي مُوَاجهَة اَلهدْمِ، والْهويَّة فِي مُوَاجهَة الإرْهاب. ويتجَلَّى ذَلِك فِي الرَّبْط بَيْن الافْتتاح وَذِكرَى ثلاثون يُونْيو، بِمَا يَخلُق تقابلا بَيْن لَحظَة اِسْتعادة الدَّوْلة لِهويَّتهَا وبيْن لَحظَة تَعزِيز بِنْيتِهَا المؤسَّسيَّة، حَتَّى يَغدُو الزَّمن نفْسه عُنْصُرا بَلاغِيا دَاخِل الخطاب. كمَا أنَّ وَصْف فَخامَة اَلرئِيس لِلْمقرِّ بِأَنه “صَرَّح” و “شَاهَد على إِرادة أُمَّة” يَرفَع الأوكْتاجون مِن مُستَوَى الوظيفة إِلى مُستَوَى اَلرمْزِ، فِي تجلٍّ وَاضِح لِسمات الخطَاب السِّياديِّ.
وتظْهر أَهَميَّة الخطَاب كَذلِك فِي بُعْدِه التَّداوليِّ؛ فَهُو لََا يُخَاطِب الجمْهور مِن مَوقِع الإخْبار المحايد، بل مِن مَوقِع الفعْل السِّياسيِّ المؤسِّس. فالْخطاب يَسعَى إِلى الإقْناع عَبْر اِسْتدْعاء المشْترك الوطنيِّ، وَإلَى الطَّمْأنة عَبْر إِبرَاز الجاهزيَّة، وَإلَى الحشْد عَبْر تَحوِيل المقرِّ إِلى عَلامَة على اَلقُدرة والاسْتمْرار. ويتجَلَّى ذَلِك فِي أنَّ حديث فَخامَة اَلرئِيس عن اَلقُوة والْجاهزيَّة لََا يظلُّ مَحصُورا فِي المجَال العسْكريِّ، بل يَمتَد إِلى المجَال الوطَنيِّ العامِّ، بِمَا يَجعَل الافْتتاح جُزْءًا مِن سَردِية شَامِلة عن دَولَة قَادِرة على إِدارة حَاضرِها واسْتشْراف مُسْتقْبلها.
وَمِن زَاوِية الأسْلوب، يُمْكِن القوْل إِنَّ الخطَاب يَجمَع بَيْن الفخامة الرَّسْميَّة والْوضوح؛ إِذ يَعتَمِد لُغَة رَسمِية رفيعَةً، لَكِنهَا مُنضبطَة وَبَعيدَة عن الغموض، وموجَّهة إِلى صِناعة أثر سِياسيٍّ مُحَدد. وتكْمن قُوَّة هذَا الأسْلوب فِي أَنَّه يُوَازِن بَيْن الصَّرامة والاطْمئْنان: صَرامَة فِي الدِّفَاع عن السِّيادة، واطْمئْنان فِي الإشارة إِلى الاسْتقْرار والْبناء. وَلِهذَا يُمْكِن القوْل إِنَّ الخطَاب لََا يَحتَفِي بِالْمكان فحسْب، بل يُعيد كِتابة مَعْنَاه فِي الوعْي العامِّ، بِحَيث يُصْبِح “الأوكْتاجون” جُزْءًا مِن لُغَة الدَّوْلة نفْسهَا، لََا مُجرَّد مَبنَى داخلها.
فِي ضَوْء مَا سَبقَ، يُمْكِن القوْل إِنَّ خِطَاب فَخامَة اَلرئِيس فِى اِفتِتاح الأوكْتاجون يَكشِف عن وَعْي لُغَوي وسياسيٍّ يَتَجاوَز حُدُود المناسبة الاحْتفاليَّة، لِيؤسِّس لِمعْنى أَوسَع يَتصِل بِصورة الدَّوْلة المصْريَّة، وَوَظيفَة مُؤسَّساتها، وَطَبيعَة حُضورِهَا فِي الوعْي العامِّ. فالْخطاب لََا يَكتَفِي بِتسْمِية المكَان أو وَصفهِ، بل يُعيد إِنْتاجه رمْزيًّا بِوصْفه عَلامَة على السِّيادة والانْضباط والْجاهزيَّة، ويحوِّله مِن مُنشَأَة مادِّيَّة إِلى جُزْء مِن السَّرْديَّة الوطنيَّة المعاصرة. وَمِن هُنَا، فَإِن أَهَميَّة هذَا الخطَاب لََا تَكمُن فقط فِي مَا يُعْلنه، بل فِي مَا يبْنيه لُغَويا مِن تصوُّرَات عن الدَّوْلة القادرة على حِماية حُدودها، وَتنظِيم قُوَّتهَا، وصياغة مُسْتقْبلهَا بِثقة واتِّزان.
حِفْظ اَللَّه مِصْر ورئيسهَا اَلجُسور المقْدام، حَارِس السِّيادة ودرْع الكرامة، وَشَعبهَا العريق. وأبْقى مِصْر حِصْنًا لِلْكرامة والسِّيادة، لِتَظل رايتَهَا عاليَةً، وَشَعبهَا آمنًا مُطْمئنًّا، يَنعَم بِالْأَمْن والسَّلام والاسْتقْرار.