
زِيَارَة إِلَى جَامِعَةِ أَسْيُوط اَلْأَهْلِيَّةِ: تَقْدِيرٌ وَرِهَانٌ عَلَى اَلْمُسْتَقْبَلِ
لَيسَت كُلُّ الزِّيارات الرَّسْميَّة تَقرَأ بِوصْفِهَا مُجرَّد بُروتوكول عابر؛ فَبعضِها يكْشف، فِي عُمْقِه، عن رُؤْية، ويشير إِلى مَرْحَلة جديدَة، وَيعكِس إِيمانًا حَقيقِيا بِأهمِّيَّة الشَّراكة بَيْن مُؤسسَات المجْتمع. وَمِن هذَا المنْطلق جَاءَت زِيارتي، بِرفْقة وَفْد مُؤَسسَة الدُّكْتور أَحمَد جُمعَة لِلتَّنْمية الإنْسانيَّة المسْتدامة، إِلى جَامِعة أَسيُوط الأهْليَّة؛ لِتقْدِيم التَّهْنئة إِلى الأسْتاذ الدُّكْتور مُحمَّد سَيِّد بِمناسبة تولِّيه رِئاسة الجامعة.
لَم تَكُن هَذِه الزِّيارة مُجرَّد وَاجِب تهْنئَة، بل تعْبيرًا صادقًا عن التَّقْدير والثِّقة، ورسالة تُؤكِّد أنَّ المؤسَّسات الجادَّة لَا تَقِف على هَامِش الحرَاك التَّعْليميِّ، بل تَسعَى إِلى أن تَكُون جُزْءًا فاعلا مِنْه؛ دعْمًا لِلتَّنْمية، وتعْزيزًا لِلتَّعاون، وإيمانًا بِأنَّ التَّعْليم هُو المدْخل اَلْأَوسع لِبناء المسْتقْبل.
ولم يَكُن لِقائي بِالْأسْتاذ الدُّكْتور مُحمَّد سَيِّد لِقَاء عابرا، بل كان لِقَاء مع شَخصِية أكاديميَّة وإداريَّة تسْتوْقفك بِمَا تَمتلِكه مِن اِتِّزان وَعُمق وَوضُوح فِي الرُّؤْية. وقد بدَا جليًّا أَنَّه لَا يَنظُر إِلى مَوقعِه بِوصْفه منْصبًا إِداريًّا، بل مسْؤوليَّة عِلْميَّة ومجْتمعيَّة تَتَطلَّب فِكْرًا مُنظَّما، وإرادة واعيَة، وَقُدرَة على تَحوِيل الطُّموح إِلى خُطَط قَابِلة لِلتَّنْفيذ.
والْحقُّ أَننِي لَا أَكتُب هذَا مِن باب المجاملة البروتوكوليَّة اَلتِي تُصَاحِب عَادَة مِثْل هَذِه الزِّيارات، بل اِستنَد إِلى مَا كَشفَت عَنْه السِّيرة الموثَّقة لِهَذا الرَّجل. فالأسْتاذ الدُّكْتور مُحمَّد سَيِّد بنى مسيرَته على أَكثَر مِن ثَلاثَة عُقُود مِن العمل الأكاديميِّ والْإداريِّ دَاخِل جَامِعة أَسيُوط، حَيْث تَولَّى رِئاسة قِسْم بِكلِّيَّة العلوم، وَأَدار مُنسِّقِية شُؤُون الجامعات العربيَّة، وأسْهم فِي إِنشَاء مَراكِز الموارد التَّعْليميَّة، ووضْع مَعايِير الجوْدة، وَتطوِير بَرامِج البكالورْيوس بِنظام السَّاعات المعْتمدة، قَبْل أن يَقُود جَامِعة سُوهاج بَيْن عَامَي أَلفَان وثمانية وألْفَان وَإِحدَى عشر. هَذِه لَيسَت مَناقِب تُقَال لِلْمجاملة، بل وَقائِع يُمْكِن التَّحَقُّق مِنهَا.
وَإِننَا على ثِقة بِأنَّ هَذِه الخبْرات المتراكمة سَوْف تُترْجَم إِلى مَنهَج إِداريٍّ يَتسِم بِالدِّقَّة والتَّرابط؛ أَفكَار تَرتَبِط بِأهْداف، وأهْدَاف تَتَحوَّل إِلى خُطَط، وَخطَط تُقَاس بِمؤشِّرات واضحَة. وَهذَا بِالضَّبْط مَا تَفتَقِر إِلَيه كثير مِن المؤسَّسات التَّعْليميَّة فِي زمن تَتَكاثَر فِيه الشِّعارات وتنْدر فِيه الإدارة المنْضبطة. والْأشْهر القادمة كَفِيلَة بِأن تَكشِف عن تَرجمَة هَذِه الرُّؤْية إِلى وَاقِع مَلمُوس على أَرْض جَامِعة أَسيُوط الأهْليَّة.
إِنَّ جَامِعة أَسيُوط الأهْليَّة، وَهِي تَدخُل مَرْحَلة جَدِيدَة مِن مسيرتها، فِي حَاجَة مَاسَّة إِلى قِيادة تَجمَع بَيْن الكفاءة والْخبْرة، وبيْن الوعْي بِطبيعة المرْحلة وَحُسن اِسْتشْراف المسْتقْبل. ومَا يمْنحني التَّفاؤل هُو أنَّ الأسْتاذ الدُّكْتور مُحمَّد سَيِّد لَا يَبدَأ مِن نُقطَة اَلصفْرِ، بل يَحمِل رصيدًا مُؤسَّسِيًّا يُخفِّف مِن مَخاطِر التَّجْريب ويقصِّر مَسافَة التَّعلُّم؛ وَهذَا فِي حدِّ ذَاتِه مِيزَة لَا يمْتلكهَا كثير مِمَّن يتولَّوْن مَناصِب قِيادِيَّة جامعيَّة.
وقد بدَا لِي أنَّ الأسْتاذ الدُّكْتور مُحمَّد سَيِّد يُمثِّل نموذَجًا لِلْقيادة اَلتِي تُدْرِك أنَّ الجامعة لَيسَت مَبانِي وقاعَات ومعامل فحسْب، بل هِي قَبْل كُلِّ شَيْء وبعْده مَشرُوع وَطنِي لِصناعة الإنْسان وإنْتَاج المعْرفة وَخِدمَة المجْتمع. وَهِي قَناعَة لَا تَكتَسِب مِن اَلكُتب وحْدهَا، بل مِن عُقُود طَوِيلَة مِن المعايشة الحقيقيَّة لِلْعمل الجامعيِّ بِكلِّ تفاصيله وتحدِّياته.
كمَا أنَّ لِهَذه الزِّيارة دَلالَة أَوسَع تَتَجاوَز حُدُود التَّهْنئة؛ إِذ تَعكِس إِدْراكًا مُتناميًا لِأهمِّيَّة التَّكامل بَيْن الجامعة ومؤسَّسات المجْتمع المدنيِّ، وتؤكِّد أنَّ التَّنْمية المسْتدامة لَا تَتَحقَّق إِلَّا عَبْر شراكَات وَاعِية ومبادرات مَسؤُولة وتفاعل حَقيقِي بَيْن مُخْتَلِف الأطْراف. ومؤسَّسة الدُّكْتور أَحمَد جُمعَة لِلتَّنْمية الإنْسانيَّة المسْتدامة لَا تَطرَح هَذِه الشَّراكة شِعارا، بل تَسعَى إِلى ترْجمتهَا فِي مُبادرات مَلمُوسة تَخدِم الطَّالب والْأسْتاذ والْمجْتمع على حدٍّ سواء.
إِنَّ اَلثقَة اَلتِي خَرجَت بِهَا مِن هذَا اللِّقَاء مَبنِية على مَا رأيْتُ وسمعْت، لَا على مَا تَقتضِيه المجاملة. والْأسْتاذ الدُّكْتور مُحمَّد سَيِّد أَمَام فُرصَة حَقيقِية لِأن يَحُول هذَا اَلرصِيد المتراكم إِلى مَشرُوع جَامعِي وَاضِح المعالم؛ وَإِننَا لِعَلي ثِقة بِأَنه قَادِر على ذَلكَ، وَبأَن جَامِعة أَسيُوط الأهْليَّة مَاضِية بِقيادته نَحْو أُفُق أَرحَب مِن التَّمَيُّز والرِّيادة، لَا بِالادِّعاء، بل بِالْإنْجاز.

