profar78787ticls

رمضانْ وأهدافِ التنميةِ المستدامة: منْ العبادةِ إلى المسؤوليةِ

profar78787ticls

رمضانْ وأهدافِ التنميةِ المستدامة: منْ العبادةِ إلى المسؤوليةِ

رَمَضان لَيْس شهْرًا يَتَغيَّر فِيه مَوعِد الطَّعَام فقطْ، بل شَهْر يُعيد تَشكِيل وَعْي الإنْسان بِذاته وبالْعالم مِن حَولهِ. فِي هذَا الشَّهْر يَتَعلَّم الفرْد مَعنَى الحاجة، ويخْتَبر قِيمة الانْضباط، ويقْتَرب مِن مُعانَاة الآخرين. هَذِه المعاني لََا تَقِف عِنْد حُدُود العبادة الفرْديَّة، بل تَمتَد إِلى جَوهَر قضايَا التَّنْمية المعاصرة. عِنْدمَا اِعْتمَدتْ اَلأُمم المتَّحدة أَهدَاف التَّنْمية المسْتدامة عام 2015، كَانَت تَسعَى إِلى بِنَاء عَالَم أَكثَر عدْلا وتوازنا. والْمفارقة أنَّ كثيرًا مِن هَذِه الأهْداف يَجِد أساسه العمَليُّ فِي سُلوكيَّات يغْرسهَا رَمَضان فِي حَيَاة اَلمسْلِم كُلَّ عام.
الهدف الأوَّل القضَاء على الفقْر يَتَجسَّد فِي الزَّكَاة والصَّدقات. فِي رَمَضان تَتجِه الموارد إِلى الفئَات الأشدِّ حاجةً. عِنْد تَنظِيم هذَا العطَاء وتوْجيهه بِالشَّكْل الأمْثل، يُصْبِح أَدَاة فَاعِلة لِلْحدِّ مِن الفقْر ودعْم الاسْتقْرار الاجْتماعيِّ. العطَاء هُنَا لَيْس مُجرَّد إِحسَان فرْديٍّ، بل مُمَارسَة تَنسَجِم مع رُؤيَة تَنموِية واضحَة.
الهدف الثَّاني القضَاء على اَلجُوع يَرتَبِط مُبَاشرَة بِسلوكنَا الغذائيِّ. تُشير بيانَات برْنامج اَلأُمم المتَّحدة لِلْبيئة إِلى أنَّ العالم يُهْدِر نَحْو 931 مِلْيون طُنِّ مِن الغذَاء سنويًّا، وأنَّ نِسْبَة كَبِيرَة مِن هذَا الهدْر تَحدَّث فِي المنازل. فِي رَمَضان تَزْداد كمِّيَّات الطَّعَام فِي كثير مِن البيوت. حِين نُخطِّط لِلْوجبات وَنحُد مِن الفائض ونعيد تَوزِيع الطَّعَام الزَّائد، فَإِننَا نُسَاهِم فِي تَقلِيل الهدْر ودعْم الأمْن الغذائيِّ. الهدف الثَّاني عشر الاسْتهْلاك والْإنْتاج المسْؤولان يُظْهِر فِي طَرِيقَة الشِّرَاء والاسْتخْدام. الإقْبال على السِّلع بِكمِّيَّات تَفوُّق الحاجة يُرْهِق الميزانيَّة والْبيئة معا. اِختِيار مُنتجَات أقلَّ تغْليفا، اِسْتخْدام أَدوَات قَابِلة لِإعادة الاسْتعْمال، تَقلِيل النُّفايات، كُلهَا مُمارسات تَعكِس وعْيًا اِسْتهْلاكيًّا يَتَوافَق مع رُوح الصَّوْم القائمة على الاعْتدال.
الهدف السَّادس الميَاه النَّظيفة والْهَدف الثَّالث عشر العمل المناخيُّ يرْتبطان بِسلوكيَّات يَومِية خِلَال اَلشهْرِ. تَرشِيد اِسْتخْدام اَلْماء فِي اَلوُضوء والْغسْل، وَتنظِيم اِسْتهْلاك الكهْرباء فِي المنازل، خُطوات بَسِيطَة لَكِنهَا ذات أثر تراكميٍّ. تَقارِير البنْك اَلدوْلِي تُشير إِلى اِرتِفاع النُّفايات فِي المواسم الدِّينيَّة فِي عدد مِن الدُّوَل، مَا يُؤكِّد الحاجة إِلى إِدارة أَفضَل لِلْموارد خِلَال هَذِه الفترات.
بِهَذا المعْنى يُصْبِح رَمَضان مِساحة عَمَليَّة لِتجْسِيد مَبادِئ التَّنْمية المسْتدامة، لََا فِي الخطَاب الرَّسْميِّ، بل فِي تَفاصِيل الحيَاة اليوْميَّة.
اَلقضِية لَيسَت فِي أن نَصُوم عن الطَّعَام ساعات محْدودةً، بل فِي أن نَتَعلَّم كَيْف نَصُوم عن الإسْراف واللَّامبالاة طَوَال العام. إِذَا خرج الإنْسان مِن رَمَضان بِعادة وَاحِدة مُسْتدامة تُحَافِظ على اَلْمال أو الغذَاء أو اَلْماء أو الطَّاقة، فَإنَّه يَكُون قد نقل إِثْر العبادة مِن المجَال اَلفرْدِي إِلى المجَال المجْتمعيِّ. عِنْدهَا يَتَحوَّل الشَّهْر مِن مُنَاسبَة رُوحيَّة عَابِرة إِلى مَشرُوع سَنوِي لِإعادة بِنَاء عَلاقَة أَكثَر توازنًا بَيْن الإنْسان وموارده ومجْتمعه. هذَا هُو المعْنى الأعْمق لِرمضَان حِين يَقرَأ فِي ضَوْء أَهدَاف التَّنْمية المسْتدامة.