
دم المصريِّ خطّ أحمر
بين محاضرة أعدَّها، وورقة بحثيَّة تنتظر المراجعة والتقييم، وكومة من أوراق الامتحانات تنتظر التصحيح، وأعباء إداريَّة لا تنتهي في مؤسَّسة الدكتور أحمد جمعة للتنمية الإنسانيَّة المستدامة، نادرًا ما أجد وقتًا لمشاهدة فيلم أو مسلسل أو أيّ عمل دراميّ. لكن مساء أوَّل أمس، وبمحض الصدفة، وجدتني أمام فيلم السرب، لم أستطع أن أتوقَّف عن مشاهدته ولو للحظة حتَّى النهاية.
لم يشدني إخراج الفيلم المتقن، ولا أداء أبطاله وحده، بل شيء أعمق من ذلك، عودة حيَّة إلى لحظة لم تغب عن ذاكرة المصريِّين رغم مرور أكثر من عقد عليها؛ تلك الليلة من فبراير 2015 حين شاهد العالم كلُّه فيديو ذبح عشرين مصريًّا على يد تنظيم داعش الإرهابيِّ على شاطئ سرت الليبيَّة، فردت مصر بعد ساعات معدودة بضربة جوِّيَّة غيَّرت حسابات المنطقة كلَّها.
توقَّفت، بحكم ما تراكم لديَّ من دراسة تحليل الخطاب، عند دلالة الكلمات الَّتي جاءت في خطاب فخامة الرئيس مساء الحادثة، والَّتي تحوَّلت إلى فعل عسكريّ بعد ساعات قليلة فقط. فوجدت أنَّ فخامة الرئيس لم يقل إنَّ مصر ستفكِّر في الردِّ أو ستدرس الموقف، بل جاءت كلماته حاسمةً واضحةً، مصر تحتفظ بحقِّ الردِّ، وستختار الأسلوب والتوقيت المناسبين للقصَّاص. وهذا الفارق بسيط في ظاهره لكنَّه عميق في معناه؛ فحين يقول قائد الدولة سنفكِّر يفهم الجميع أنَّ الأمر مؤجَّل وربَّما لن يحدث. وحين يقول نحتفظ بحقِّ الردِّ، يفهم الجميع أنَّ الأمر واقع لا محالة، وأنَّ التوقيت فقط هو ما لم يُحَدَّد بعد.
وقد اختار الرئيس كلمة القصَّاص تحديدًا، لا كلمة الردِّ ولا كلمة العقاب. وهذا اختيار له مغزاه؛ فالقصاص في ثقافتنا العربيَّة والإسلاميَّة ليس انتقامًا عشوائيًّا، بل عدل مستحقّ لمن ظلم. وقد ترجمت الوقائع هذه الكلمة حرفيًّا، فأقلعت ستُّ مقاتلات من طراز إف- 16 فجر اليوم التالي مباشرةً، ونفذت ثماني ضربات جوِّيَّة دقيقة على معاقل التنظيم في ليبيا. لم يكن الأمر ردَّة فعل غاضبةً غير محسوبة، بل تنفيذًا دقيقًا لما سبق أن أعلنه فخامة الرئيس بالكلمة، قبل أن يترجمه جيش مصر العظيم على أرض الواقع. هذا الانسجام بين ما يقال وما ينفذ نادر في عالم السياسة، وهو بالضبط ما جعل تلك الليلة محفورة في وجدان كلِّ مصريّ، فكلمة فخامة الرئيس لم تكن مجرَّد تصريح عابر، بل التزامًا تحقَّق فعليًّا خلال ساعات معدودة.
ولقد أعاد فيلم السرب تصوير هذا المعنى بصريًّا؛ صمت العمليَّة، ودقَّة تنفيذها، والسرعة الَّتي لم تمنح التنظيم الإرهابيّ فرصة التقاط أنفاسه. وهذه ليست تفاصيل تقنيَّة عابرة، بل هي جوهر الطريقة الَّتي يعمل بها الجيش المصريُّ في اللحظات الحاسمة، الفعل أوَّلاً، ثمَّ يأتي الإعلان عنه.
منذ تلك الليلة، تكوَّنت في وعي المصريِّين صورةً واضحةً لجيش شامخ يحمي الحدود والكرامة معًا، لا يكتفي بحماية حدود الوطن، بل يمتدُّ بذراعه إلى حيث استهدف أبناؤه، دون تردُّد ودون حاجة لانتظار إذن من أيِّ طرف خارجيّ. وذلك بالتحديد ما يمنح كلُّ مصريّ، أينما كان، شعورًا عميقًا بالأمان، فهناك دولةً تعرف كيف تحمي كرامة أبنائها، وقيادة حكيمة تحوِّل القرار إلى نتيجة على الأرض في أقصر وقت ممكن، وجيش لا يكتفي بالردِّ على من يعتدي، بل يجعل الاعتداء على أيِّ مصريّ ثمَّنه باهظًا لا ينسى.
هذه المعادلة، قيادة حاسمة وجيش سريع باسل، هي ما جعل من ليلة السادس عشر من فبراير 2015 نقطة تحوُّل حقيقيَّةً؛ ليس فقط في مسار الحرب على الإرهاب في المنطقة، بل في الصورة الَّتي يحمِّلها كلُّ مصريّ عن دولته، دولةً تصون كرامة أبنائها بقدر ما تصون حدودها، وتذكُّر العالم كلّه أنَّ من يمسُّ دم مصريّ لن يجد حسابه سهلاً ولا مؤجَّلاً.
حفظ الله مصر وجيشها الشامخ وشعبها العريق ورئيسها الجسور المقدام، حارس السيادة ودرع الكرامة، وأبقى مصر حصنًا للعزَّة والأمن والاستقرار، لتظلَّ رايتها عالية، وشعبها آمنًا مطمئنًّا، ينعم بالأمن والسلام والاستقرار.

