profart23323icls

دم المصريِّ خطّ أحمر ‏

profart23323icls

دم المصريِّ خطّ أحمر ‏
بين محاضرة أعدَّها، وورقة بحثيَّة تنتظر المراجعة والتقييم، وكومة من أوراق الامتحانات تنتظر التصحيح، وأعباء إداريَّة ‏لا تنتهي في مؤسَّسة الدكتور أحمد جمعة للتنمية الإنسانيَّة المستدامة، نادرًا ما أجد وقتًا لمشاهدة فيلم أو مسلسل أو أيّ عمل ‏دراميّ. لكن مساء أوَّل أمس، وبمحض الصدفة، وجدتني أمام فيلم السرب، لم أستطع أن أتوقَّف عن مشاهدته ولو للحظة ‏حتَّى النهاية.‏
لم يشدني إخراج الفيلم المتقن، ولا أداء أبطاله وحده، بل شيء أعمق من ذلك، عودة حيَّة إلى لحظة لم تغب عن ذاكرة ‏المصريِّين رغم مرور أكثر من عقد عليها؛ تلك الليلة من فبراير 2015 حين شاهد العالم كلُّه فيديو ذبح عشرين مصريًّا ‏على يد تنظيم داعش الإرهابيِّ على شاطئ سرت الليبيَّة، فردت مصر بعد ساعات معدودة بضربة جوِّيَّة غيَّرت حسابات ‏المنطقة كلَّها.‏
توقَّفت، بحكم ما تراكم لديَّ من دراسة تحليل الخطاب، عند دلالة الكلمات الَّتي جاءت في خطاب فخامة الرئيس مساء ‏الحادثة، والَّتي تحوَّلت إلى فعل عسكريّ بعد ساعات قليلة فقط. فوجدت أنَّ فخامة الرئيس لم يقل إنَّ مصر ستفكِّر في الردِّ ‏أو ستدرس الموقف، بل جاءت كلماته حاسمةً واضحةً، مصر تحتفظ بحقِّ الردِّ، وستختار الأسلوب والتوقيت المناسبين ‏للقصَّاص. وهذا الفارق بسيط في ظاهره لكنَّه عميق في معناه؛ فحين يقول قائد الدولة سنفكِّر يفهم الجميع أنَّ الأمر مؤجَّل ‏وربَّما لن يحدث. وحين يقول نحتفظ بحقِّ الردِّ، يفهم الجميع أنَّ الأمر واقع لا محالة، وأنَّ التوقيت فقط هو ما لم يُحَدَّد بعد.‏
وقد اختار الرئيس كلمة القصَّاص تحديدًا، لا كلمة الردِّ ولا كلمة العقاب. وهذا اختيار له مغزاه؛ فالقصاص في ثقافتنا ‏العربيَّة والإسلاميَّة ليس انتقامًا عشوائيًّا، بل عدل مستحقّ لمن ظلم. وقد ترجمت الوقائع هذه الكلمة حرفيًّا، فأقلعت ستُّ ‏مقاتلات من طراز إف- 16 فجر اليوم التالي مباشرةً، ونفذت ثماني ضربات جوِّيَّة دقيقة على معاقل التنظيم في ليبيا. لم ‏يكن الأمر ردَّة فعل غاضبةً غير محسوبة، بل تنفيذًا دقيقًا لما سبق أن أعلنه فخامة الرئيس بالكلمة، قبل أن يترجمه جيش ‏مصر العظيم على أرض الواقع. هذا الانسجام بين ما يقال وما ينفذ نادر في عالم السياسة، وهو بالضبط ما جعل تلك الليلة ‏محفورة في وجدان كلِّ مصريّ، فكلمة فخامة الرئيس لم تكن مجرَّد تصريح عابر، بل التزامًا تحقَّق فعليًّا خلال ساعات ‏معدودة.‏
ولقد أعاد فيلم السرب تصوير هذا المعنى بصريًّا؛ صمت العمليَّة، ودقَّة تنفيذها، والسرعة الَّتي لم تمنح التنظيم الإرهابيّ ‏فرصة التقاط أنفاسه. وهذه ليست تفاصيل تقنيَّة عابرة، بل هي جوهر الطريقة الَّتي يعمل بها الجيش المصريُّ في اللحظات ‏الحاسمة، الفعل أوَّلاً، ثمَّ يأتي الإعلان عنه.‏
منذ تلك الليلة، تكوَّنت في وعي المصريِّين صورةً واضحةً لجيش شامخ يحمي الحدود والكرامة معًا، لا يكتفي بحماية ‏حدود الوطن، بل يمتدُّ بذراعه إلى حيث استهدف أبناؤه، دون تردُّد ودون حاجة لانتظار إذن من أيِّ طرف خارجيّ. وذلك ‏بالتحديد ما يمنح كلُّ مصريّ، أينما كان، شعورًا عميقًا بالأمان، فهناك دولةً تعرف كيف تحمي كرامة أبنائها، وقيادة حكيمة ‏تحوِّل القرار إلى نتيجة على الأرض في أقصر وقت ممكن، وجيش لا يكتفي بالردِّ على من يعتدي، بل يجعل الاعتداء على ‏أيِّ مصريّ ثمَّنه باهظًا لا ينسى.‏
هذه المعادلة، قيادة حاسمة وجيش سريع باسل، هي ما جعل من ليلة السادس عشر من فبراير 2015 نقطة تحوُّل حقيقيَّةً؛ ‏ليس فقط في مسار الحرب على الإرهاب في المنطقة، بل في الصورة الَّتي يحمِّلها كلُّ مصريّ عن دولته، دولةً تصون ‏كرامة أبنائها بقدر ما تصون حدودها، وتذكُّر العالم كلّه أنَّ من يمسُّ دم مصريّ لن يجد حسابه سهلاً ولا مؤجَّلاً.‏
حفظ الله مصر وجيشها الشامخ وشعبها العريق ورئيسها الجسور المقدام، حارس السيادة ودرع الكرامة، وأبقى مصر ‏حصنًا للعزَّة والأمن والاستقرار، لتظلَّ رايتها عالية، وشعبها آمنًا مطمئنًّا، ينعم بالأمن والسلام والاستقرار.‏