
يعمل كثير مِن المترْجمين اليوْم وَهُم لََا يروْن اَلنَّص كاملاً، فَمِن اَلممْكِن أن يتلقَّوْا عُنْوانًا بِلَا متْن، أو جُملَة مُقتطعَة مِن خِطاب، أو شِعارًا بِلَا مُناسبة، أو رِسالة عَاجِلة بِلَا خَلفِية واضحَة. فِي مِثْل هَذِه الحالات لََا تَكُون المشْكلة لُغَويَّة بحْتةً، بل مَعرفِية فِي جوْهرها، إِذ يَطلُب مِن المترْجم أن يَنتِج مَعنَى فِي غِيَاب الإطَار اَلذِي يَمنَح المعْنى حُدُودَه وتماسكه.
فِي هَذِه اللَّحْظة لََا يُوَاجِه المترْجم صُعُوبَة لُغَويَّة بِقَدر مَا يُوَاجِه مأْزقًا معْرفيًّا. فَهُو مَطالِب بِإنْتَاج مَعْنى فِي غِيَاب الإطَار اَلذِي يمْنحه تماسكه وحدوده. هَذِه الوضْعيَّة، اَلتِي يُمْكِن تسْميتهَا بِالتَّرْجمة فِي حَالَة اِنعِدام السِّياق، لَم تَعُد حَالَة نادرَة، بل أَصبَحت مُمَارسَة يَومِية فِي الصِّحافة والْإعْلام اَلرقْمِي والْإعْلان والْخطاب السِّياسيِّ.
تَقُوم مُعظَم نظريَّات التَّرْجمة على اِفتِراض مُفَادَه أنَّ اَلنَّص يَفهَم دَاخِل سِياق، وأنَّ مُهمَّة المترْجم هِي نَقْل المعْنى كمَا تُشكِّل فِي هذَا السِّياق. غَيْر أنَّ هذَا الافْتراض يُضْعِف حِين يَفصِل اَلنَّص عن ظُرُوف إِنْتاجه. فلَا تَعرِف نِيَّة المتكلِّم، ولَا جُمْهُوره المقْصود، ولَا المناسبة اَلتِي قِيل فِيهَا الكلام. يُصْبِح اَلنَّص وَحدَة لُغَويَّة قَابِلة لِأكْثر مِن قِراءَة، دُون مُؤشِّر يَحسِم بيْنهَا.
فِي هَذِه الحالة لََا يَنقُل المترْجم مَعْنى جاهزا، بل يَضطَر إِلى بِنائِه. يَخْتار مِن بَيْن اِحْتمالات دَلالِية مُتقاربة، ويمْلأ الفجوات بِافْتراضات تَستَنِد إِلى خِبْرته ومعْرفته بِالسِّياقات المحْتملة. أيُّ خطأ فِي هذَا الافْتراض قد يَقُود إِلى اِنحِراف فِي المعْنى، وقد يَتَحوَّل هذَا الانْحراف إِلى أَزمَة حِين يَتَعلَّق الأمْر بِخَبر سِياسيٍّ أو تَصرِيح رسْميٍّ.
تُظْهِر الإشْكاليَّة بِوضوح فِي تَرجمَة العناوين الصَّحفيَّة. فالْعنْوان يَكتُب لِلاخْتزال والْإثارة، ويعْتَمد على الإيحاء أَكثَر مِن اَلشرْحِ. إِذَا تَرجَم دُون الرُّجوع إِلى مَتْن الخبر فقد المترْجم مِعيَار التَّحقُّق. هل العنْوان وَصفِي أم ساخر؟ هل يَحمِل نقْدًا ضِمْنيًّا أم تقْريرًا مُحايدا؟ هل يُشير إِلى حدث سَابِق يُفتَرَض أنَّ القارئ يعْرفه؟ غِيَاب الإجابة يَجعَل التَّرْجمة فِعْل تَرجِيح لََا فِعْل نَقْل مُباشِر.
وينْطَبق الأمْر نَفسُه على الشِّعارات السِّياسيَّة والْإعْلانيَّة. فالشِّعار يُصَاغ لِيكون مُكَثفا وَقابِلا لِتأْويلات مُتَعددَة دَاخِل ثقافَته الأصْليَّة. عِنْد نَقلِه إِلى لُغَة أُخرَى دُون مَعرِفة سِياقه التَّداوليِّ قد يَتَحوَّل مِن رِسالة تَعبِئة إِلى عِبارة عامَّة، أو مِن خِطَاب إِيجابيٍّ إِلى تَعبِير مُلْتبِس. هُنَا لََا يَكُون الخلل لُغويًّا، بل سِياقِيًا فِي الأسَاس.
فِي التَّرْجمة الإعْلاميَّة العربيَّة تَتَفاقَم هَذِه المشْكلة. تَعتَمِد مُؤسسَات كَثِيرَة على السُّرْعة، وتحال إِلى المترْجم عَناوِين عَاجِلة أو مَقاطِع قَصِيرَة دُون تَوفِير الخلْفيَّة الكاملة. أحْيانًا يَطلُب إِنجَاز التَّرْجمة قَبْل اِكتِمال الحدث نَفسهِ. فِي هذَا اَلمُناخ يَتَراجَع مَنطِق التَّحَقُّق ويتقَدَّم مَنطِق التَّوقُّع. تَختَلِف التَّرْجمات لِلنَّصِّ الواحد لِأنَّ كُلَّ مُترْجِم بنى المعْنى على اِفتِراض سِياقيٍّ مُخْتلِف.
ويزيد غِيَاب سِياسَات تحْريريَّة وَاضِحة مِن حَجْم اَلعبْءِ. فلَا تُوجَد مَعايِير تُحدِّد متى يُفضِّل التَّحْييد، أو متى يَجِب الحفَاظ على الغموض، أو متى يَنبَغِي تَأجِيل النَّشْر حَتَّى تَتضِح الصُّورة. يَتَحوَّل المترْجم إِلى صَانِع قَرَار دَلالِي يَعمَل فِي مِساحة غَيْر مُسْتقرَّة، ويتحَمَّل مسْؤوليَّة التَّأْويل دُون أن يَمتَلِك دائمًا أَدوَات اَلحسْمِ.
هَذِه الوضْعيَّة تَدفَع إِلى مُرَاجعَة مَفهُوم الأمانة فِي التَّرْجمة. إِذَا كان اَلنَّص اَلأصْلِي غَيْر مُكْتَمِل مِن حَيْث الإطَار المرْجعيُّ، فَإلَى مَاذَا تَكُون الأمانة؟ هل إِلى الكلمات وحْدهَا، أم إِلى المعْنى المحْتمل، أم إِلى تَقلِيل الانْحراف قَدْر الإمْكان؟ فِي حالات اِنعِدام السِّيَاق قد يَكُون الحفَاظ على قَدْر مِن اَلغُموض خِيارًا مِهْنِيا مسْؤولاً.
تَكشِف التَّرْجمة فِي غِيَاب السِّيَاق أنَّ المعْنى لَيْس عُنْصُرا ثابتًا يَنتَقِل مِن لُغَة إِلى أُخْرى، بل بِنَاء يَتَشكَّل دَاخِل شَبكَة مِن العلاقات. حِين تَتَفكَّك هَذِه الشَّبَكة لََا يَختَفِي المعْنى، بل يُصْبِح هشًّا. والْمترْجم هُو مِن يُعيد تشْكيله بِأدوَات مَحدُودة وتحْتَ ضَغْط الزَّمَن.
فِي زمن تَتَكاثَر فِيه النُّصوص المبْتورة وتتسارع فِيه الأخْبار، لَم يَعُد السُّؤَال كَيْف نُترْجِم مَا قِيل فحسْب، بل كَيْف نَتَعامَل مع مَا لَم يَكشِف بعْد. هُنَا تَتَجاوَز التَّرْجمة حُدُود المهارة اللُّغويَّة، وَتصبِح مُمَارسَة مَعرفِية تَتَطلَّب وعْيًا بِحدود المعْرفة نفْسهَا. ويغْدو المترْجم مَسؤُولا لََا عن نَقْل الكلمات فحسْب، بل عن إِدارة عدم اَليقِين حِين يغيب السِّياق. وَمِنْ هَذَا اَلْمُنْطَلَقِ، يُبْرِزَ دَوْرُ اَلْبَاحِثِينَ فِي مَجَالِ اَلتَّرْجَمَةِ لِدِرَاسَةِ هَذِهِ اَلظَّاهِرَةِ وَتَحْلِيلِ اِسْتِرَاتِيجِيَّاتٍ اَلْمُتَرْجِمِينَ فِي اَلتَّعَامُلِ مَعَ اَلنُّصُوصِ خَارِجَ اَلسِّيَاقِ، بِمَا يُثْرِي اَلنَّظَرِيَّةَ اَلتَّرْجَمِيَّةَ وَيُقَوِّي اَلْمُمَارَسَاتِ اَلْمِهْنِيَّةَ.

