
حِين تَتَحوَّل مُنَاقشَة رِسالة ماجسْتير إِلى فِعْل تَنمَوِي
لَيْس كُلُّ خبر جَامعِي يَستَحِق التَّوَقُّف عِنْده. لَكِن بَعْض الأحْداث الأكاديميَّة تَكشِف كَيْف يُمْكِن لِلْعلْم أن يَتَحوَّل إِلى قُوَّة فَاعِلة فِي مَشرُوع الدَّوْلة، وكيْف تُصْبِح قَاعَة المناقشة مِساحة حَقيقِية لِبناء الإنْسان، لََا مُجرَّد إِجرَاء لِلْحصول على دَرجَة عِلْميَّة.
فِي كُليَّة الآدَاب بِجامِعة أَسيُوط، شَهِدنَا مُنَاقشَة رِسالة ماجسْتير بِعنْوَان “التَّحوُّلات الدَّقيقة فِي تَرجمَة تشيب رُوزيتي الإنْجليزيَّة لِرواية يُوتوبْيَا لِأحْمد خَالِد تَوفِيق “، المقدَّمة مِن الباحثة ندى أَيمَن كَمَال ضِمْن برْنامج التَّرْجمة الإنْجليزيَّة بِكلِّيَّة الآداب. شاركتْ فِي لَجنَة المناقشة بِصفتي مُناقِشًا داخليًّا، إِلى جَانِب الأسْتاذ الدُّكْتور بَهَاء الدِّين مُحمَّد مزيد، أُسْتاذ اللُّغويَّات والتَّرْجمة بِكلِّيَّة الآدَاب جَامِعة سُوهاج، كمناقش خَارجِي، بيْنمَا تَولَّى الإشْراف الأسْتاذة الدُّكْتورة شِيرين عَبْد الغفَّار مُحمَّد والدُّكْتور أَشرَف جِرْجِس عَبْد اَلملِك.
والْحقُّ أنَّ مُشَاركَة الأسْتاذ الدُّكْتور بَهَاء مزيد شَكلَت قِيمة عِلْميَّة مُضَافَة حقيقيَّةً. فَهُو مِن الأسْماء الأكاديميَّة المعْروفة بِرصانتهَا المنْهجيَّة وَدقتِها التَّحْليليَّة، وبإسْهامهَا الواضح فِي دِراسَات اَللغَة والتَّرْجمة. وقد عَكسَت مُداخلاته فِي المناقشة خِبْرَة عِلْميَّة عميقَةً، وَقُدرَة لَافِتة على الرَّبْط بَيْن النَّظريَّة والتَّطْبيق، بِمَا قَدَّم لِلْباحثة نموذَجًا عمليًّا لِمَا يَجِب أن يَكُون عليْه النَّقْد الأكاديميُّ المسْؤول، اَلذِي يَهدِف إِلى التَّقْويم والْبناء لََا إِلى الاسْتعْراض.
وقد يَبدُو هذَا المشْهد تفْصيلا جَامعِيا مَحدُود الأثَر، لَكنَّه فِي جَوهَرِه يَعكِس فَلسفَة أَوسَع لِلتَّعاون الأكاديميِّ بَيْن جامعَات الصَّعيد، وتجْسيدًا عمليًّا لِتوجُّهات الدَّوْلة فِي دَعْم التَّكامل المؤسَّسيِّ، وَهُو مَا تُؤكِّد عليْه توْجيهات فَخامَة اَلرئِيس عَبْد الفتَّاح السِّيسي بِضرورة تَطوِير التَّعْليم العالي، وَربَط البحْث اَلعلْمِي بِالتَّنْمية الشَّاملة، وبناء كَوادِر بَشَريَّة قَادِرة على التَّفْكير والْإبْداع لََا على التَّلْقين فقطْ.
فِي هذَا الإطار، تَكتَسِب مُناقشات الرَّسائل العلْميَّة أَهَميَّة خاصَّةً، لِأنَّهَا تُمثِّل حَلقَة الوصْل بَيْن التَّوْجيهات العامَّة والسِّياسات الوطنيَّة مِن جِهَة، والْممارسة الفعْليَّة دَاخِل الجامعة مِن جِهة أُخْرى. فحين تُدَار هَذِه المناقشات وَفْق مَعايِير عِلْميَّة صارمَة، وبمشاركة خِبْرَات مُتنوِّعة، فَإِنهَا تُسْهِم مُبَاشرَة فِي تَحقِيق أَهدَاف التَّنْمية المسْتدامة، وَعلَى رأْسهَا الهدف الرَّابع المتعلِّق بِجوْدة التَّعْليم، والْهَدف التَّاسع المرْتبط بِبناء المعْرفة والابْتكار، والْهَدف السَّابع عشر القائم على الشَّراكات الفعَّالة.
ولم تَكُن هَذِه المناقشة مُجرَّد عَرْض لِنتائج بحْثيَّة، بل تَحولَت إِلى حِوَار عِلْمِي جادٍّ حَوْل المنْهج، وَحدُود النَّماذج النَّظريَّة، وإمْكانات تَطوِير البحْث مُسْتقْبلاً. هذَا النَّوْع مِن النِّقَاش هُو مَا يُهيِّئ الباحثين لِلانْدماج الحقيقيِّ فِي المجْتمع الأكاديميِّ، ويمْنحهم أَدوَات التَّفْكير اَلنقْدِي اَلتِي تحْتاجهَا الدَّوْلة فِي مرْحلتهَا الرَّاهنة.
أَمَّا مِن حَيْث مَضمُون الرِّسالة، فَهِي تُمثِّل إِضافة نَوعِية فِي مَجَال التَّرْجمة الأدبيَّة، إِذ تُطبِّق نموذَجًا نقْديًّا حديثًا على نصٍّ عَربِي مُعَاصِر مُترْجِم إِلى الإنْجليزيَّة، بِمَا يُسْهِم فِي تَطوِير مَناهِج تَدرِيس التَّرْجمة، ويعزِّز الوعْي بِدَور التَّرْجمة فِي نَقْل الثَّقافة المصْريَّة إِلى العالم. وَهذَا الدَّوْر الثَّقافيُّ يَتَقاطَع مُبَاشرَة مع مَفهُوم اَلقُوة النَّاعمة، اَلذِي بات أحد مَحاوِر اَلحُضور اَلمصْرِي إِقْليميًّا ودوْليًّا.
وَفِي سِيَاق أَوسَع، تَعكِس هَذِه المناقشة التَّحَوُّل التَّدْريجيُّ فِي دَوْر جامعَات الصَّعيد، اَلتِي لَم تَعُد هامشًا فِي الخريطة الأكاديميَّة، بل شريكًا أَساسِيا فِي تَحقِيق التَّنْمية المتوازنة. فبناء الإنْسان، كمَا تُؤكِّد عليْه القيادة السِّياسيَّة، لََا يَتَحقَّق بِالْقرارات وحْدهَا، بل بِممارسات عِلْميَّة يَومِية تَبدَأ مِن قاعات اَلبحْثِ، وتمْتدَّ إِلى المجْتمع.
إِنَّ مُشَاركَة جَامِعة سُوهاج إِلى جَانِب جَامِعة أَسيُوط فِي هَذِه المناقشة لَيسَت مَسْأَلة شكْليَّةً، بل تَعبِير عن وَعْي مُؤَسسِي مُتَزايِد بِأنَّ التَّعاون، لََا الانْعزال، هُو اَلطرِيق اَلأُقصر لِتحْقِيق أَهدَاف التَّنْمية المسْتدامة. وهكذَا تظلُّ قاعات المناقشة الجامعيَّة، رَغْم هُدوئها، مِن أَكثَر الأماكن تأْثيرًا فِي تَشكِيل المسْتقْبل، لِأنَّهَا المكَان اَلذِي تُصَاغ فِيه العقول، وتخْتَبر فِيه الأفْكار، وَيُبنَى فِيه الإنْسان اَلذِي تُرَاهِن عليْه الدَّوْلة.

