ProfArticls 3

حَارِس الذَّوْق العامِّ: دلالَات لُغَويَّة ومؤسَّسيَّة فِي خِطَاب فَخامَة اَلرئِيس عن الدِّرامَا المصْريَّة

ProfArticls 3 1024x1024

تُمثِّل تصْريحات فَخامَة اَلرئِيس عَبْد الفتَّاح السِّيسي حَوْل الدِّرامَا المصْريَّة خُطوَة فَارِقة فِي عَلاقَة الدَّوْلة بِالثَّقافة والْفَنِّ. فَفِي كَلمَتِه يَوْم 22 مَارَس 2025 خِلَال اِحتِفال الْمرْأة المصْريَّة والْأمِّ المثاليَّة، قال الرَّئيس: “الدِّرامَا كَانَت فِي السَّابق صِناعَةً، لَكِنهَا تَحولَت إِلى تِجارة”، مُضيفا: “أنَا خَايِف على الذَّوْق اَلْعام”. وتتقاطع هَذِه الرِّسالة مع دَعوَتِه إِلى تَقدِيم دِرامَا إِيجابيَّة بِوصْفِهَا عُنْصُرا فاعلا فِي تَشكِيل الوعْي المجْتمعيِّ خِلَال مُداخلات أُخرَى فِي مَارِس 2025.

مِن مَنظُور نُورْمَان فِيرْكلوفْ، لَا يَعُد الخطَاب مُجرَّد أَدَاة لِلتَّواصل، بل هُو آليَّة لِإعادة إِنتَاج العلاقات الاجْتماعيَّة وَبنَى اَلقُوة. وَتبرِز اَلجُملة اَلأُولى لِلرَّئِيس ثُنائِيَّة حَادَّة بَيْن ” صِناعة ” و ” تِجارة “، لَا تَصِف واقعًا اِقْتصاديًّا فحسْب، بل تُعيد تَعرِيف وَظِيفَة الدِّراما: مِن إِنتَاج المعْنى وَالقِيم إِلى السَّعْي وَرَاء الرِّبْح السَّريع. هذَا التَّوَتُّر المفاهيميِّ يَخلُق أثرًا دَلالِيا مُزْدوِجًا يُوحي بِأزْمة فِي وَظِيفَة الدِّراما، ويسْتدْعي إِعادة ضبْطهَا بِوصْفِهَا أَدَاة لِبناء الوعْي لَا مُجرَّد وَسِيلَة لِلرِّبْح.

أَمَّا اَلجُملة الثَّانية “أنَا خَايِف على الذَّوْق اَلْعام” فَتتسِم بِذكاء لُغَوي يَحمِل الخطَاب طابعًا إِنْسانيًّا مُباشرا. يُشير باحثون مِثْل تِيكاف وِبازْرمان إِلى أنَّ اِسْتخْدام اَلضمِير اَلمُفرد “أنَا” يَقرُب المتحدِّث مِن الجمْهور، وَيَنقلَه مِن مَقَام السُّلْطة الرَّسْميَّة إِلى مَوقِع المعْبر عن اَلضمِير الجمْعيِّ. كمَا أنَّ تَوظِيف عِبارة “الذَّوْق اَلْعام” يَربُط اَلفَن بِالسُّلوك الاجْتماعيِّ ويضاعف إِثْر الرِّسالة اَلنفْسِي لَدى صُنَّاع الدِّرامَا والْجمْهور على السَّواء.

ولم يَقِف الخطَاب عِنْد حُدُود اَلقوْلِ؛ إِذ تلتْه خُطوات تنْظيميَّة تَمثلَت فِي إِعادة تَشكِيل لَجنَة الدِّرامَا بِالْمجْلس الأعْلى لِتنْظِيم الإعْلام، وإنْشَاء لَجنَة التَّأْثيرات الاجْتماعيَّة لِلدِّرامَا والْإعْلام بِرئاسة وزير الثَّقافة. ووفْق مَنظُور التَّحْليل النَّقْديِّ، تُجسِّد هَذِه الإجْراءات العلاقة بَيْن الخطَاب والتَّنْظيم المؤسَّسيِّ: فقد وَفَّر الخطَاب التَّوْجيه الاسْتراتيجيُّ، فِيمَا مَنحَت القرارات المؤسَّسيَّة الرِّسالة قُوَّة تنْفيذيَّة ضِمْن سِيَاق قِيَمي وأخْلاقيٍّ، مِن دُون اللُّجوء إِلى لُغَة صِدامِيَّة أو أَوامِر مُباشرة.

وَفِي ضَوْء نظريَّات الإنْتاج اَلرمْزِي عِنْد بُورْدِيو وِلافوشيَّهْ، تَعكِس تصْريحات فَخامَة ‏ اَلرئِيس سعْيًا لِإعادة تَشكِيل “حُقُول اَلقُوة الثَّقافيَّة”، بِمَا يَتَجاوَز مَفاهِيم الرِّقابة التَّقْليديَّة إِلى تَرسِيم مَعايِير رَمزِية تُحدِّد المقْبول والْمرْفوض فنِّيًّا وقيميًّا. وَأكَّد لَاحقًا أنَّ مقْصده لَيْس المنْع بِقَدر مَا هُو نَقْل نَبْض الجمْهور والْقَلق على الوعْي العامِّ، فِي إِيحَاء بِدَور ” الحارس الأخْلاقيِّ ” اَلذِي يُعيد التَّوازن بَيْن اَلفَن والْمجْتمع والذَّوْق العامِّ.

تَكشِف الجمْلتان القصيرتان عن مِعمَار لُغَوي يَرسُم حُدودًا رَمزِية لِشرْعِيَّة الفنِّ: ثُنائِيَّة الصِّناعة والتِّجارة تُعيد تَعرِيف الدَّوْر الاجْتماعيِّ لِلدِّراما، وضمير المتكلِّم يَحُول التَّحْذير إِلى اِلتِزام جَمعِي مَحسُوس. مَا تَلَاهمَا مِن تَحرِيك مُؤَسسِي يُثْبِت عَلاقَة القوْل بِالْفعْل، حَيْث يَنتَقِل الخطَاب مِن التَّشْخيص إِلى وَضْع مَعايِير مَرجعِية تَضبُط الحقْل الثَّقافيَّ دُون لُغَة صِداميَّة. اَلخُطوة التَّالية المنْطقيَّة هِي شَراكَة مِهْنِية شَفَّافة بَيْن صُنَّاع الدِّرامَا والْهيْئات المنظِّمة لِتجْسِيد الذَّوْق اَلْعام فِي مَواثِيق إِبْداعيَّة قَابِلة لِلْقياس، تَحفُّظ قِيمة اَلفَن وتقيه مِن الارْتهان الكامل لِمنْطق اَلربْحِ.