
بِقرار محلِّيٍّ … مُحَافِظ أَسيُوط يُجسِّد رُوح أَجِندَة اَلأُمم المتَّحدة
تَحْت وَطأَة مَوجَة حرٍّ اِسْتثْنائيَّة اِجْتاحتْ جميع أَنحَاء الجمْهوريَّة، لَم تَنتَظِر مُحَافظَة أَسيُوط أن تَتَحوَّل التَّحْذيرات اَلْجَوية إِلى مَأْسَاة إِنْسانيَّة، بل بادرتْ بِخطْوة إِدارِيَّة حَاسِمة أعادتْ الاعْتبار لِأبْسط عَامِل فِي الشَّارع الأسْيوطيِّ. أَصدَر اللِّوَاء مُحمَّد عِلْوان، مُحَافِظ أَسيُوط، قرارًا بِتعْدِيل مَواعِيد تَشغِيل ورْديَّات عُمَّال النَّظافة فِي كَافَّة المراكز والْمدن والْأحْياء على مُستَوَى المحافظة، على أن يَتَوقَّف العمل الميْدانيُّ مِن السَّاعة الحادية عَشرَة صباحًا وَحتَّى الخامسة مساءً. قَرَار يَبدُو لِلْوهْلة اَلأُولى إِجرَاء تنْظيميًّا رُوتينيًّا، لَكنَّه فِي جَوهَرِه وَثِيقَة إِنْسانيَّة تَستَحِق أن تَقرَأ بِعَين اَلمُحلل قَبْل عَيْن النَّاقل الإخْباريِّ.
تَكمُن قِيمة القرَار فِي توْقيته قَبْل أيِّ شَيْء آخر. فَفِي حِين اِضْطرَّتْ مُحافظات أُخْرى، فِي مَواسِم سابقَة، إِلى التَّحَرُّك بَعْد وُقُوع خَسائِر بَشَريَّة فِعْليَّة، إِذ فقد أحد عُمَّال النَّظافة حياته فِي مُحَافظَة الشَّرْقيَّة إِثْر هُبُوط حادٍّ فِي الدَّوْرة الدَّمويَّة أَثنَاء عَملِه تَحْت الشَّمْس المباشرة، اِخْتَار مُحَافِظ أَسيُوط أن يَتَحرَّك فَوْر صُدُور التَّحْذيرات الجوِّيَّة، لََا بَعْد وُقُوع الكارثة. هذَا الفارق الزَّمَنيُّ اَلدقِيق بَيْن الاسْتباق وردِّ الفعْل هُو مَا يَمنَح القرَار طابعه الاسْتثْنائيَّ، ويضعه فِي خَانَة الإدارة الوقائيَّة لََا الإدارة التَّفاعليَّة.
عُمَّال النَّظافة يُمثِّلون العمود اَلفقْرِي لِصحَّة اَلمُدن ونظافتها، وَإِن كان جُهْدُهم اَليوْمِي لََا يَحظَى دائمًا بِالضَّوْء الإعْلاميِّ اَلذِي يسْتحقُّه. جاء قَرَار مُحَافِظ أَسيُوط لِيكْسر هَذِه المعادلة، مُعْلِنا أنَّ اِسْتمْرار الخدْمة لََا يُمْكِن أن يَكُون على حِسَاب حَيَاة من يُقدِّمها. ولم يَكتَف القرَار بِالْإيقاف المؤقَّت، بل تَضمَن إِعادة هَندسَة لِجداول العمَل، بِنَقل الورْديَّات إِلى ساعات الصَّبَاح الباكر والْمساء، بِمَا يَضمَن اِسْتمْراريَّة الخدْمة دُون المسَاس بِسلامة العاملين، فِي تَوازُن إِداريٍّ دقيق بَيْن مصْلحتيْنِ كانتَا تَبدُوان مُتعارضتيْن.
لَم تَكُن مُحَافظَة أَسيُوط وحْدهَا فِي هذَا المسار، إِذ طَبقَت تِسْع مُحافظات أُخرَى إِجْراءات مُمَاثلَة لِوَقف العمل الميْدانيِّ لِعمَّال النَّظافة خِلَال ساعات الذُّرْوة. غَيْر أنَّ مَا يَحسُب لِمحافظ أَسيُوط هُو سُرعَة الاسْتجابة وَوضُوح الصِّياغة، إِذ ربط القرَار مُبَاشرَة بِمسْؤوليَّته الشَّخْصيَّة عن سَلامَة كُلِّ عَامِل يَعمَل تَحْت مِظَلة مُحافظته.
يَتَجاوَز هذَا القرَار حُدُود الإجْراء الإداريِّ الموْسميِّ، لِيتقاطع بِعمْق مع أَجِندَة اَلأُمم المتَّحدة لِلتَّنْمية المسْتدامة 2030 بِأهْدافهَا السَّبْعة عَشرَ. فحين أَوقَف مُحَافِظ أَسيُوط عَمِل عُمَّال النَّظافة وَقْت الذُّرْوة، جَسَّد عمليًّا الهدف الثَّالث لِلتَّنْمية المسْتدامة، اَلْخاص بِالصِّحَّة والرَّفاهية، وَالذِي يَسعَى إِلى ضَمَان أَنمَاط عَيْش سَلِيمَة لِلْجمِيع دُون اِسْتثْناء.
كَذلِك يَرتَبِط القرَار بِالْهَدف الثَّامن “العمل اللَّائق وَنمُو الاقْتصاد”، اَلذِي يَدعُو صَراحَة إِلى تَنفِيذ تَدابِير الصِّحَّة والسَّلامة المناسبة لِجميع العمَّال. وقد أَكدَت مُنَظمتَا الصِّحَّة العالميَّة والْأرْصاد اَلْجَوية العالميَّة أنَّ مِثْل هَذِه التَّوْجيهات “تَدعَم أَهدَاف التَّنْمية المسْتدامة لِلْأمم المتَّحدة، وَتحُث على اِتِّخاذ إِجْراءات حَاسِمة لِحماية اَلعُمال الضُّعفاء والْحدِّ مِن الفقْر وَتعزِيز النُّموِّ المسْتدام”، لََا سِيَّما أنَّ إِنْتاجيَّة العامل تَتَراجَع بِنسْبة تَتَراوَح بَيْن 2 و 3 فِي المائة عن كُلِّ دَرجَة حَرارَة تَتَجاوَز 20 دَرجَة مِئويَّةً.
ويضاف إِلى ذَلِك حُضُور الهدف الحادي عشر “مُدُن ومجْتمعات مَحَليَّة مُسْتدامة”، إِذ حافظتْ إِعادة تَنظِيم ورْديَّات النَّظافة على اِسْتمْراريَّة الخدْمة الحضريَّة دُون التَّضْحية بِسلامة مُقدِّميها. كَذلِك يَرتَبِط القرَار بِالْهَدف العاشر “اَلحَد مِن أَوجُه عدم المساواة”، إِذ يَتَحمَّل عُمَّال النَّظافة عِبْء العمل الميْدانيِّ فِي أَقسَى الظُّروف المناخيَّة، مَا يَجعَل حِمايتهم أَولوِية إِنْسانيَّة واجْتماعيَّةً.
لََا يَكتَمِل اَلحدِيث عن هذَا القرَار دُون تَوجِيه كَلمَة شُكْر صَادِقة لِلِّواء مُحمَّد عِلْوان، اَلذِي أَثبَت أنَّ جَودَة القرَار الإداريِّ لََا تُقَاس بِحجْمه على الورَق، بل بِمقْدَار مَا يحْميه مِن أَروَاح ومَا يصونه مِن كَرامَة إِنْسانيَّة. فِي لَحظَة تَجَاوزَت فِيهَا الحرارة حُدُود التَّحمُّل، اِخْتَار أن يَقِف إِلى جَانِب أَضعَف حَلَقات المنْظومة الإداريَّة، دُون تَردُّد فِي تَحمُّل أيِّ أَعبَاء تنْظيميَّة إِضافِيَّة قد يفْرضهَا هذَا الخيار.
قَرَار اللِّوَاء مُحمَّد عِلْوان، مُحَافِظ أَسيُوط، لَيْس مُجرَّد اِسْتجابة إِدارِيَّة لِظَرف مُنَاخِي طارئ، بل هُو نَمُوذَج رَاسِخ لِمَا يَنبَغِي أن تَكُون عليْه القيادة المحلِّيَّة حِين تُوضَع مَصْلَحة الإنْسان فِي قَلْب كُلِّ قرار. إِنَّه فِعْل قِياديٌّ حَاسِم يُترْجَم إِرادة صَادِقة فِي حِماية الإنْسان، وَيثبِت أنَّ أَعظَم الإنْجازات الإداريَّة لَيسَت بِالضَّرورة تِلْك اَلتِي تَتَصدَّر عَناوِين المشاريع الكبْرى، بل تِلْك اَلتِي تَصُون حَيَاة عَامِل كان يَقِف وحيدًا تَحْت شَمْس لََا تَرحمُ.
حِين يَلتَقِي اَلضمِير الإنْسانيُّ بِالْمسْؤوليَّة الإداريَّة، تُولِّد قرارَات كَهذِه لِتتحَوَّل إِلى نَمُوذَج يُحتَذَى بِه، شَاهِد على أنَّ التَّنْمية المسْتدامة بِأهْدافهَا السَّبْعة عشر تَبدَأ مِن مَكَان وَاحِد جَوهرِي: أن يرى المسْؤول فِي كُلِّ مُوَاطِن إِنْسانًا يَستَحِق الحماية والْكرامة، لََا بنْدًا فِي جَدوَل أعْمال. بِهَذا القرار، رَسخَت مُحَافظَة أَسيُوط سطْرًا مُضيئًا فِي سِجلِّ الإدارة المحلِّيَّة المصْريَّة، وأثْبتَ اللِّوَاء مُحمَّد عِلْوَان أنَّ القيادة الحقيقيَّة تُقَاس بِجرْأتهَا فِي وَضْع الإنْسان أوَّلاً، وأنَّ الإنْسانيَّة حِين تَقُود القرار، يَزدَهِر الوطن بِأكْمله.

