profarticls

اِنْتبِهْ. . . أَنْت فِي حَضرَة الرَّئيس!

profarticls

اِنْتبِهْ. . . أَنْت فِي حَضرَة الرَّئيس!
نِيقوسْيَا تَشهَد والتَّاريخ يُسَجل. . . هَكذَا تَتَكلَّم مِصْر حِين تَصمُت
فِي عِلْم التَّواصل البشَريِّ ثَمَّة قَاعِدة رَاسِخة يُقرُّهَا كُلٌّ مِن دَرْس اَللغَة الموازية وأسْرَار الاتِّصال غَيْر اللَّفْظيِّ، وَهِي أنَّ مَا نقوله بِكلماتنَا لََا يَتَجاوَز سَبعَة بِالْمائة مِن مُجمَل الرِّسالة اَلتِي نُرْسلهَا لَمِن حوْلنَا. الثَّلاثة والتِّسْعون بِالْمائة الباقية تَسكُن فِي حَركَة الحاجبيْنِ وَزاوِية اِنحِراف الجذْع وَنبْرَة الصَّمْتِ وَسُرعَة تَحوِيل النَّظر أو إِبْطائه عَمْدا. وَفِي قَاعَة اِجْتماعات نِيقوسْيَا يَوْم اَلخمِيس الماضي كان فَخامَة اَلرئِيس عَبْد الفتَّاح السِّيسي يُلْقِي أَبلَغ خِطَاب فِي تَارِيخ الدِّبْلوماسيَّة الحديثة دُون أن يَتَفوَّه بِكلمة واحدَة.
فِي عِلْم الاتِّصال غَيْر اَللفْظِي ثَمَّة نَوْع مِن اَلحُضور يُسمَّى الإسْقاط السُّلْطويُّ وَهُو ذَلِك اَلحُضور الجسَديِّ اَلذِي يُخْبِر المكَان قَبْل أن يُخْبِره أحد عن هُويَّة أصْحابه. حِين دخل فَخامَة اَلرئِيس قَاعَة الاجْتماع لَم يَكُن يَملَأ اَلكرْسِي بل كان يُعْرَفُ اَلكرْسِي بِنفْسه مِن جديد. ظَهرُه المسْتقيم كَسارِية عِلْم وكتفَاه المنْبسطتان اللَّتَان لََا تنْحنيان فِي حَضرَة أحد وعيْنَاه اللَّتَان تُحدِّقَان فِي الأمَام بِثقة مِن يَعرِف تمامًا أَيْن يَقِف ولماذا. حركاته مَحْكَمة لََا تَبدُو مُتَصنعَة بِقَدر مَا تَبدُو مُتَأصلَة فِي عِظامه كان التَّاريخ نَفسُه هُو مِن عِلْمِه كَيْف يَمشِي وَيجلِس ويصْمت.
الأكْثر لَفتَا لِلنَّظر هُو مَا يَكشِف حِين يَتَأمَّل المرْء المشْهد بِعَين فاحصَة، ذَلِك الذَّكَاء الجسَديِّ النَّادر اَلذِي يعْرفه عُلَماء اَللغَة بِأَنه اَلقُدرة على إِدارة الفضَاء اَلمحِيط بِوَعي تامٍّ. فَخامَة اَلرئِيس لََا يَصطَدِم بِالْمكان بل يُنظِّمه. لََا يَتَسارَع حِين يَتَسارَع مِن حَولِه بل يُبْطِئ فيجْعل الآخرين هُم مِن يَبدُو عَليهِم الاضْطراب. لََا يَرفَع صَوتُه لِأنَّ ثِقْله اَلشخْصِي يَكفِي لِمَلء اَلصمْتِ. لََا تغيب عَنْه نَظرَة الشَّخْص اَلذِي يُحيط بِكلِّ مَا فِي اَلغُرفة دُفعَة وَاحِدة ويقدِّر المسافات بِدقَّة عَسكرِية نَابِعة مِن أعْماقه. وَفِي عِلْم التَّواصل هذَا بِالضَّبْط مَا يُميِّز القائد اَلذِي يَحمِل السُّلْطة مِن دَاخلِه عن ذَلِك اَلذِي يسْتعيرهَا مِن لَقبهِ.
أَمَّا اللَّحْظة اَلتِي صَنعَت الحدث ووثَّقتْهَا كاميرات العالم فلم تَكُن فِي اَلكلِمة المكْتوبة ولَا فِي الصُّورة التِّذْكاريَّة. كَانَت حِين جلس فَخامَة اَلرئِيس بِجوار أحد رُؤَساء المنْطقة والْمسافة بيْنهمَا لََا تَتَجاوَز ذِراعًا ونصْفًا وَهِي المسافة اَلتِي يعْرفهَا عُلَماء التَّواصل بِمنْطَقة الحوَار المتكافئ. لَكِن فَخامَة اَلرئِيس اِخْتَار بِوَعي تامٍّ وَهدُوء سَاحِر أن تَبقَى تِلْك المسافة لَيسَت جُغْرافيَّة بل رَمزِية ودلاليَّة مِن الطِّرَاز اَلْأَول. لَم يَلتَفِت ولم يُومئ ولم تُسجِّل الكاميرات تِلْك الابْتسامة الدِّبْلوماسيَّة الاعْتياديَّة اَلتِي يُبَادِل بِهَا الزُّعماء بَعضُهم وَإِن لَم تَكُن بيْنهم مودَّة. وَفِي قَامُوس اَللغَة الموازية هذَا مَا يُسمَّى الصَّمْتُ المحدَّد، أيْ الخطَاب المدْروس اَلذِي تلقِّيه الدُّول الواثقة مِن نفْسهَا حِين لََا تَجِد مَا يَستوْجِب الكلام. وَثمَّة فِرق جَوهَرِي بَيْن من يُتجاهلك لِأَنه لََا يعْرفك وَمِن يُتجاهلك لِأَنه يعْرفك جيِّدًا جِدًّا، فالْأَوَّل إِهمَال والثَّاني مَوقِف دوْلة.
وحين تَكلَّم فَخامَة اَلرئِيس فِي الجلْسة جَاءَت اَلكلِمة بِالنَّبْرة ذاتهَا اَلتِي جاء بِهَا الجسَد، لََا تَعَال مُتَكلف ولَا تَحفُّظ مُصطنَع. جَاءَت اَلجُمل قَصِيرَة مَحْكَمة كالْحجارة الفرْعوْنيَّة كُل وَاحِدة فِي مَكانِها تَحمُّل مَا فوْقهَا دُون أن تتزعْزع. قال إِنَّ الهجمات الإيرانيَّة على الدُّول العربيَّة غَيْر مَقبُولة تَحْت أيِّ ظَرْف بِنبْرة مِن يُصْدِر حُكْمًا لََا مِن يُعبِّر عن رأْي. وَقَال إِنَّ مَا يَحدُث فِي أُورُوبا يَمتَد صَدَاه إِلى مِنْطقتنَا والْعَكْس صحيح بِإيقَاع خَطابِي يَضعُه فِي مَوقِع مِن يَصِف المشْهد لََا مِن يَستجْدِي الاهْتمام. وَفِي عِلْم إِيقَاع الكلَام يَستخْدِم أَصحَاب السُّلْطة الحقيقيَّة مَا يُسمَّى التَّنْغيم الهابط فِي نِهايَات اَلجُمل، تِلْك النِّهايات اَلتِي تُخْبِر المسْتمع ضِمْنيًّا أنَّ مَا سَمعَه لَيْس اِقْتراحًا بل حَقِيقَة رَاسِخة لََا تَقبَل الجدَل.
مَا رأيْنَاه مِن فَخامَة اَلرئِيس فِي نِيقوسْيَا جاء على نوْعيْنِ مُتكامليْنِ لََا يُقبِّلَان اللَّبْس؛ حَرَكات هَادِفة تُعبِّر عن مَوقِف وتصوُّر قَناعَة رَاسِخة لََا حَرَكات قَلقَة يَلجَأ إِليْهَا الإنْسان حِين يَبحَث عن الطُّمأْنينة أو يُحَاوِل إِخفَاء التَّوتُّر، وَسكُون وَاثِق يُعبِّر بصْمته عن سُلطَة وَهِيبَة لََا سُكُون جَبَان يَختَبِئ خَلْف ضجيج الآخرين وصخبهم هُروبًا مِن المواجهة. وقد بُنِي المشْهد كُلُّه على أُسلُوب المقابلة البلاغيَّة اَلتِي تضع أَمَام كُلِّ صِفة مَحمُودة نقيضَهَا المذْموم لِتبْرز اَلأُولى وتعْليها، وَهُو مِن أَرقَى أَسالِيب البيَان العرَبيِّ لِأَنه لََا يَمدَح مُبَاشرَة بل يُوحي بِالْمَدْح مِن خِلَال نَفْي اَلضعْفِ. وَهذَا كُلُّه لَيْس وليد اليوْم ولَا مُكتسَبا بِالْمنْصب ولَا بِالْمناسبة، بل هُو مُتَأصل فِي شَخصِية القائد وَفِي إِرْث الدَّوْلة اَلتِي يُمثِّلها؛ إِرْث حَضارَة تَعلمَت كَيْف تَحكُم وَهِي صَامِتة وكيْف تَقُول لََا وَهِي تَبتَسِم وكيْف تَحكُم قبْضتَهَا وكفَّهَا مبْسوطة. مِصْر لََا تَحْتاج إِلى مُكبرَات الصَّوْتِ لِأنَّ أعْمدتهَا لََا تَزَال وَاقِفة مُنْذ سَبعَة آلاف سنة تُحَاضِر الزَّائرين فِي فنِّ الحضور.
يَقُول عُلَماء التَّفاوض إِنَّ الأسد لََا يُثْبِت قُوتَه بِالزَّئير الدَّائم بل بِالسُّكون اَلذِي يَجعَل اَلجمِيع يُدْركون أَنَّه أسد. مَا شهدْنَاه فِي نِيقوسْيَا لَم يَكُن درْسًا فِي السِّياسة الدَّوْليَّة وَحدَه بل كان درْسًا فِي عِلْم التَّواصل البشَريِّ بِأرْقى صُوَرهِ، وَفِي كَيفِية تَكلَّم الدُّول اَلكُبرى وَتعبِير القادة الحقيقيِّين وَقُدرَة جسد رَجُل وَاحِد على حَمْل رَسائِل دَولَة عُمْرِها آلاف السِّنين. وَلمَن أَرَاد أن يَفهَم مَا جرى فِي نِيقوسْيَا فعليْه أن يُمْعِن فِي النَّظر لََا أن يُصْغِي إِلى الأقْوال.
حِفْظ اَللَّه مِصْر ورئيسهَا اَلجُسور المقْدام، حَارِس السِّيادة ودرْع الكرامة، وَشَعبهَا العريق. وأبْقى مِصْر حِصْنًا لِلْكرامة والسِّيادة، لِتَظل رايتَهَا عاليَةً، وَشَعبهَا آمنًا مُطْمئنًّا، يَنعَم بِالْأَمْن والسَّلام.