profarticls

اِسْتقيموا يرْحمكم اللَّه: لََا تكونوا جِسْرًا إِلى اَلْفَوضى

profarticls

اِسْتقيموا يرْحمكم اللَّه: لََا تكونوا جِسْرًا إِلى اَلْفَوضى

كفى عبثًا بِالْعقول، وَكفَى اِسْتخْفافًا بِالْوطن. لَقد اِنحدَر بَعْض المصْريِّين، لِلْأسَف، عن جَهْل أو هوى، إِلى التَّوَرُّط فِي نَشْر فِيدْيوهات مُفبْركة، ومقاطع مشْبوهة، وروايات ناقصَة، يَرمُون بِهَا فِي الفضَاء الإلكْترونيِّ بِلَا تَمحِيص ولَا مسْؤوليَّةً، وكأنَّهم لََا يفْقهون أنَّ اَلكلِمة لَيسَت زِينة تُقَال، ولَا لَهْوًا يتداول، بل فِعْل خطير يَصُوغ الوعْي العامُّ، ويصْنع الانْطباع، ويرْفع المواقف أو يَهوِي بِهَا إِلى الهاوية.

إِنَّ مَا يَجرِي اليوْم لَيْس مُجرَّد تَداوُل لِمحْتَوى عابر، بل هُو مُشاركة، عن قَصْد أو عن غفْلة، فِي صِناعة البلْبلة وَتفكِيك اَلثقَة وَتشوِيه الإدْراك الجمْعيِّ. فَهذِه المقاطع لََا تَنشُر لِتنْوِير النَّاس، بل لِتضْليلهمْ؛ ولَا تَبُث لِعَرض الحقيقة، بل لِخلْخَلة اليقين، وإثارة الشَّكِّ، ودفْع المجْتمع إِلى دَوَّامة مِن القلق والارْتباك. وَهنَا يُصْبِح النَّشْر غَيْر المسْؤول فِعْلا يمسُّ الوعْي العامُّ، ويعْبث بِصورة الوطَن، ويمْنح المتربِّصين بِه مَا يُريدون مِن فِرْقَة واضْطراب.

وَمِن مَنظُور تَحلِيل الخطَاب السِّياسيِّ، فَإِن هَذِه الظَّاهرة لََا يُمْكِن قِراءتهَا بِوصْفِهَا مُجرَّد أَخطَاء فَردِية أو مُشاركات عابرَة، بل بِاعْتبارهَا جُزْءًا مِن بِنْيَة خَطابِية تَستَنِد إِلى التَّأْطير الانْتقائيِّ، والتَّهْويل، واقْتطاع الوقائع مِن سِياقاتها، ثُمَّ إِعادة تقْديمهَا فِي صُورَة مُثيرَة لِلانْفعال أَكثَر مِن كوْنهَا صَادِقة فِي الدَّلالة. فالْمقْطع المبْتور، والصُّورة المنْزوعة مِن سِياقها، والرِّواية النَّاقصة، كُلهَا أَدوَات تُسْتخْدَم لِإعادة تَشكِيل الإدْراك العامِّ، وصناعة مَعنَى سِياسيٍّ مُضَلل، يَهدِف إِلى إِربَاك المتلقِّي قَبْل إِقْناعه. وهكذَا تَتَحوَّل اَللغَة مِن أَدَاة بَيَان إِلى أَدَاة تشْويش، وَمِن وَسِيلَة تُوَاصِل إِلى وَسِيلَة اِختِراق لِلْوعْي.

وليسَ أخطرُ على المجتمعاتِ منْ لحظةٍ يختلطُ فيها الخبرُ بالشائعة، والتحليلُ بالتحريض، والنقدُ بالتشويه. ففي هذهِ اللحظةِ بالذات، يصبح المتلقي عرضةً لتلقي ما يبثُ إليهِ دونَ تمحيص، ويغدو التفاعلُ السريعُ بديلاً عنْ التثبت، والانفعالُ بديلاً عنْ التفكير. ومنْ ثمَ فإنَ خطورةَ هذهِ المنشوراتِ لا تكمنُ فقطْ في مضمونها، بلْ في قدرتها على إعادةِ إنتاجِ نفسها عبرَ التداول، حتى تبدوَ الكذبة، لكثرةِ تكرارها، أقرب إلى الحقيقةِ منْ الحقيقةِ نفسها.

ومصْر الحبيبة اَلْيَوم، وَهِي تُوَاجِه تحدِّياتهَا بِصلابة ووعْي، لَيسَت فِي حَاجَة إِلى من يُزَايِد عليْهَا، ولَا إِلى مِن يطْعنهَا مِن الدَّاخل ثُمَّ يَدعِي حِرْصه عليْهَا. مِصْر فِي حَاجَة إِلى من يَعرِف أنَّ الانْتماء مسْؤوليَّةً، وأنَّ اَلكلِمة أمانَةً، وأنَّ الدِّفَاع عن الوطن يَبدَأ مِن رَفْض الزَّيْف لََا مِن إِعادة تدْويره. فَمِن أَرَاد أن يَخدِم مِصْر حقًّا، فليتوقَّف عن نَشْر هَذِه اَلْمَواد المضلِّلة، ولْيبادر إِلى الإبْلاغ عَنْها، وَلِيضَع حدًّا لِتداولها؛ لِأنَّ الصَّمْتَ أَمَام اَلكَذِب تقْصير، والْمشاركة فِيه تواطؤ، والتَّهاون معه تَفرِيط فِي حقِّ الوطَن.

وَمِن اَلمؤْسِف أنَّ بَعْض الأصْوات تَتَعامَل مع هَذِه اَلْفَوضى وَكَأنهَا مَشهَد عابر، أو ترف رَقمِي لََا أثر لَهُ، بيْنمَا هِي فِي الحقيقة مَعْرَكة على اَلوعْيِ، وَعلَى الثِّقَة، وَعلَى صُورَة الدَّوْلة ومؤسَّساتها. ومَا أَخطَر أن تَتَحوَّل المنصَّات المفْتوحة إِلى سَاحَة لِبثِّ الإحْباط، وإضْعَاف المعْنويَّات، وَتقدِيم صُورَة مُشَوهَة عن الواقع، فِي وَقْت يَحْتاج فِيه الوطن إِلى التَّماسك لََا إِلى التَّشْكيك، وَإلَى البنَاء لََا إِلى اَلهدْمِ.

فليْس الوطن سَاحَة لِلشَّائعات، ولَا مِنَصة لِلْمأْجورين، ولَا مَسْرَحا لِلْفوْضى اَلتِي يَختَبِئ وَرَاءهَا أعْداؤه. إِنَّ مِن وَاجبِنا جميعًا أن نَحمِي الوعْي كمَا نَحمِي الأرْض، وأن نَصُون الحقيقة كمَا نَصُون الحدود، وأن نَقِف صفًّا واحدًا خَلْف قِيادتنَا السِّياسيَّة فِي هَذِه المرْحلة الدَّقيقة مِن تَارِيخ مِصْر المعاصر، دعْمًا لِلاسْتقْرار، وحفْظًا لِلْمقْدرات، وصوْنًا لِمسْتقْبل هذَا الوطن العظيم. فمصْر لََا تَنهَض بِالضَّجيج، ولَا تَحمِي بِالْأكاذيب، وَإِنمَا يحْميهَا أبْناؤهَا المخْلصون حِين يخْتارون الحقيقة، ويغْلقون اَلطرِيق فِي وَجْه الفتْنة والتَّضْليل.

خِتاما، تَبقَّى الحقيقة أَكبَر مِن الشَّائعة، والْوَطن أَعلَى مِن الضَّجيج، والْوَعْي أَقوَى مِن كُلِّ مُحَاولَة لِتشْويهه. ومصْر، اَلتِي صَمدَت فِي وَجْه التَّحدِّيات عَبْر تاريخها، لَن تَهزهَا فِيدْيوهات مُفَبركَة ولَا رِوايَات ناقصَةً، مَا دام فِيهَا من يَرفُض التَّضْليل، وَيصُون الكلمة، وَيضَع مَصْلَحة الوطن فَوْق كُلِّ اِعْتبار.

حِفْظ اَللَّه مِصْر ورئيسهَا اَلجُسور المقْدام، حَارِس السِّيادة ودرْع الكرامة، وَشَعبهَا العريق. وأبْقى مِصْر حِصْنًا لِلْكرامة والسِّيادة، لِتَظل رايتَهَا عاليَةً، وَشَعبهَا آمنًا مُطْمئنًّا، يَنعَم بِالْأَمْن والسَّلام