profartic8989ls

‘أهل الضي’ .. للكلمة أثر، وللمحبة نور

profartic8989ls

‘أهل الضي’ .. للكلمة أثر، وللمحبة نور
بحكم عملي ومسؤولياتي اليومية، لم أعتد البقاء في البيت طويلًا، لكن وعكة صحية ألمّت بي الأسبوع الماضي فرضت عليّ هدنة من إيقاع الحياة المعتاد. وخلال تلك الأيام، قادتني المصادفة إلى مشاهدة فيلم ‘ضي: سيرة أهل الضي’. لم أتوقع أن تترك حكايته في نفسي هذا الأثر، وأن تدفعني إلى التأمل في نظرتنا إلى الآخرين وطريقة تعاملنا معهم. انتهى الفيلم، وبقيت أفكر في قسوة كلمة، ودفء يد تمتد، وما يصنعه إنسان حين يؤمن بإنسان آخر.
يحكي الفيلم رحلة فتى نوبي من ذوي المَهَق، يمتلك صوتًا جميلًا وحلمًا بالغناء، ويسافر مع أسرته وَمُدَرِّسَتِهِ من أسوان إلى القاهرة سعيًا لتحقيق حلمه. لكن ما استوقفني لم يكن موهبته وحدها، بل نظرتنا إلى من يختلف عنا في المظهر؛ هل نهتم بالتعرّف إليه وفهم أحلامه وقدراته، أم نحكم عليه من شكله قبل أن نمنحه فرصة للتعبير عن نفسه؟
وجدت في مساندة المُدَرِّسَةِ المسيحية لتلميذها المسلم صورة دافئة للمحبة التي تجمع أبناء الوطن؛ محبة تظهر في اهتمام صادق، وثقة تمنح الأمل، ويد تمتد لتعين على تحقيق حلم. وما لمس قلبي أن مساندتها جاءت بعفوية، دون خطب أو شعارات؛ رأت موهبة تستحق الرعاية، فآمنت بها ورافقتها في الطريق.
بالنسبة إليّ، كان ذلك تجسيدًا جميلًا للوحدة الوطنية، التي نلمسها حين نفرح بأحلام بعضنا، ويجد كل منا في الآخر سندًا. شعرت بالامتنان لهذه الصورة؛ لأنها تذكّرنا بقيمة الروابط التي تمنح الحياة دفئها، وبأن المساندة قد تبدأ من شخص يأخذ حلمًا صغيرًا على محمل الجد.
وبقدر ما أثار موقف المُدَرِّسَةِ ومساندتها لتلميذها إعجابي وتقديري، أوجعني التفكير فيما قد تتركه السخرية من أثر في نفوس الأشخاص ذوي المَهَق. كيف يعود طفل إلى بيته بعدما جعله الآخرون موضوعًا للضحك؟ هل يجد من يستمع إليه، أم يضطر إلى حمل ما حدث وحده؟ ويحزنني أن كلمةً ينساها قائلها سريعًا قد تبقى في نفس من سمعها، وترافقه إلى يوم جديد.
المَهَق حالة وراثية ترتبط بنقص صبغة الميلانين أو غيابها، وقد تصاحبها مشكلات في الإبصار وحساسية للشمس. وهو ليس معديًا، ولا يدل في ذاته على نقص في الذكاء. ومع ذلك، توثّق الأمم المتحدة تعرض أشخاص من ذوي المَهَق للوصم والإقصاء بسبب الجهل والمعتقدات الخاطئة.
وبحكم انشغالي بعلم اللغة، وجدتني أتأمل دور الكلمات في صناعة هذه المسافة. هل نذكر الحالة لفهم احتياجات الشخص، أم نجعلها هويته الوحيدة؟ وهل نستخدم الوصف للتعريف، أم نحوله إلى لقب يلاحقه؟ هنا لا يكفي أن نحرص على كلماتنا؛ فمن مسؤوليتنا أيضًا ألا نترك من يتعرض للسخرية بسبب مظهره يواجه الإساءة وحده، وأن نوضح بهدوء أن ما يراه البعض مزاحًا قد يجرح إنسانًا ويؤذيه.
فاحترام الإنسان يبدأ أيضًا من الطريقة التي نتحدث بها عنه. وهذا ما تؤكده إرشادات الأمم المتحدة بشأن استخدام لغة تحترم الأشخاص ذوي الإعاقة؛ إذ تدعو إلى تجنّب الألقاب المهينة والتعبيرات التي تختزلهم في إعاقتهم أو تجعلهم موضعًا للشفقة، مع احترام الطريقة التي يختارون بها وصف أنفسهم. ليس المطلوب تجميل الكلام، بل ألا نضيف بكلماتنا عبئًا إلى حياة أحد.
ومن منظور تحليل الخطاب، لا يقتصر الأمر على اختيار كلمات مهذبة، بل يشمل الصورة التي نقدم بها الأشخاص ذوي المَهَق. هل نتحدث عنهم فقط باعتبارهم محتاجين إلى المساعدة، أم نُبرز أيضًا قدراتهم وطموحاتهم وآراءهم؟ فحين نحصر الحديث عنهم في المعاناة، نغفل جوانب أخرى من حياتهم. أما حين نتيح لهم أن يتحدثوا عن أنفسهم، فإننا نراهم بصورة أكمل؛ فهم أشخاص يتعلمون ويعملون ويحلمون، لا مجرد حالات تستدعي التعاطف.
ولا يكتمل احترامنا لهم بالكلمات وحدها، بل بما نتيحه من فرص وما نقدمه من دعم. ومن هنا، عدت إلى موقف المدرّسة ومساندتها لتلميذها، وسألت نفسي كيف نجعل هذا الاهتمام جزءًا من حياتنا اليومية في المدارس والجامعات وأماكن العمل، بحيث يجد كل من يحتاج إلى المساندة من يستمع إليه ويساعده؟
وقد يتساءل البعض عما إذا كان الأشخاص ذوو المَهَق يُعدّون من ذوي الإعاقة. والحقيقة أن اختلاف لون البشرة في حد ذاته لا يحدد ذلك، وإنما درجة تأثير الحالة في الإبصار والأنشطة اليومية. فقد يصاحب المَهَق ضعف بصري طويل الأمد، تختلف شدته من شخص إلى آخر. ولهذا، تؤكد وثائق الأمم المتحدة أهمية توفير الدعم المناسب لاحتياجات كل فرد، مثل إتاحة نصوص بخط كبير ووسائل تساعد على القراءة والتعلّم. فالهدف أن يتمكن كل شخص من الدراسة والعمل والمشاركة، دون أن تحول مشكلات الإبصار أو غياب الوسائل المساعدة دون ذلك.
وفي هذا السياق، تؤكد اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة حقهم في المساواة والتعليم والعمل دون تمييز، وتدعو إلى مواجهة الأفكار المسبقة التي تنتقص من قدراتهم. وبذلك، تصبح مساندتهم أكثر من مجرد تعاطف؛ إذ تقترن بتوفير فرص حقيقية للتعلّم والعمل، ودعم يراعي احتياجات كل فرد ويساعده على المشاركة في المجتمع.
ويرتبط ذلك أيضًا بالتنمية المستدامة، التي تشمل إتاحة التعليم الجيد والعمل اللائق والحد من أوجه عدم المساواة. وتتضمن هذه الأهداف دعم مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة وتكافؤ الفرص أمامهم؛ فالتنمية لا تكتمل إلا حين يستطيع الجميع الاستفادة من الخدمات والفرص المتاحة، والمساهمة بقدراتهم في بناء المجتمع.
وتتحول هذه الأهداف إلى واقع حين يجد الطالب مواد تعليمية تناسب قدرته على الإبصار، ويجد الطفل من يحميه من التنمر، ويحصل الشاب على فرصة عمل تُقدَّر فيها كفاءته ومهاراته. وتحقيق ذلك مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام وأماكن العمل، تبدأ بالاستماع إلى الأشخاص ذوي المَهَق، وسؤالهم عما يحتاجون إليه، وإشراكهم في اختيار ما يناسبهم من دعم.
انتهى الفيلم، وبقي معي يقين بأن التضامن يبدأ بالتأثر، لكنه لا يكتمل إلا بما نفعله من أجل الآخرين. فلا ينبغي أن يمتلك الإنسان صوت ‘ضي’ الجميل حتى نصغي إليه، ولا أن تكون له موهبة استثنائية حتى نهتم بحلمه. يكفي أن يكون إنسانًا يستحق الاحترام والفرصة والمساندة. وهذا ما أرجو أن يبقى معنا بعد انتهاء الحكاية؛ أن تصبح المحبة موقفًا يوميًا، وأن يجد كل منا في الآخر سندًا يعينه على الحياة ويمنحه الثقة ليحلم.