whatsapp image 2026 01 30 at 10.36.02 pm

لَم تَكُن حِكاية شَخصِية لِفخامة الرَّئيس، بل موْقفًا وطنيًّا حاسمًا

لَم تَكُن حِكاية شَخصِية لِفخامة الرَّئيس، بل موْقفًا وطنيًّا حاسمًا
أَثنَاء مُطالعتي لِموْقع فَيسُبوك قَبْل أيَّام، اِسْتوْقفني مَقطَع فِيدْيو قصير لِفخامة اَلرئِيس عَبْد الفتَّاح السِّيسي، يَروِي فِيه بِهدوء واتِّزَان قِصَّة تعْيينه وزيرًا لِلدِّفَاع قَبْل أن يَتَولَّى رِئاسة الجمْهوريَّة، فِي لَحظَة فَارِقة مِن تَارِيخ الدَّوْلة المصْريَّة ولم يَكُن مَا شدُّ اِنْتباهي فِي هذَا المقْطع مُجرَّد سَرْد لِتفاصيل شخْصيَّة، بل الرِّسالة العميقة اَلتِي يحْملها، رِسالة تَتَجاوَز حُدُود الرِّواية الشَّخْصيَّة لِتؤكِّد قِيم الوطنيَّة الخالصة، وَرفَض الانْتهازيَّة السِّياسيَّة، وَتحقِيق حِيَاد الجيْش عن صِراعَات التَّنْظيمات، والتَّأْكيد القاطع على أنَّ الولَاء الأوَّل والْأخير يَجِب أن يَكُون لِمصْر وحْدهَا.
جاء هذَا اَلحدِيث خِلَال لِقَاء جَمْع فَخامَة اَلرئِيس بِممثِّلي المجْتمع المصْريِّ، فِي سِيَاق لَم يَكُن بُروتوكوليًّا بِقَدر مَا كان لَه دَلالَة سِياسِيَّة واجْتماعيَّة. حضر اللِّقَاء مُمثِّلون عن فِئَات المجْتمع المخْتلفة، مِن أَبرزِهم رئيس اَلمجْلِس اَلقوْمِي لِحقوق الإنْسان، وَرَئيسَة اَلمجْلِس اَلقوْمِي لِلْمرْأة، إِضافة إِلى رُؤَساء الهيْئات البرْلمانيَّة، وَعدَد مِن الإعْلاميِّين، ورؤسَاء تَحرِير الصُّحف، ورؤسَاء النِّقابات المهْنيَّة، وممثِّلي نِقابَات اَلعُمال والْفلَّاحين. عَزَّز هذَا التَّنَوُّع فِي اَلحُضور أَهَميَّة اَلحدِيث وَثقلِه، وأوْضح أنَّ الرِّسالة كَانَت مُوَجهَة إِلى المجْتمع كُلِّه، لََا إِلى فِئة بِعيْنها.
بدأ اَلحدِيث بِجمْلة صَادِقة مِن فَخامَة الرَّئيس: “أنَا الحقيقة عُمْرِي مَا كلمتكم عن نفْسي، بس أَنتُم مُحْتاجين تعرَّفوا شَويَّة عنِّي، اِسْمحوا لَي أُكلِّمكم عن نَفسِي شَويَّة”. تَكسُّر هَذِه البداية الحاجز التَّقْليديُّ بَيْن الحاكم والشَّعْب، وَتَحوَّل الخطَاب مِن إِطَار رَسمِي جَامِد إِلى مِساحة كَشْف ومكاشفة صادقَة، تُعيد بِنَاء اَلثقَة على أَسَاس الصِّدْق لََا على الشِّعارات الجوْفاء.
ثُمَّ اِنتقَل فَخامَة اَلرئِيس إِلى لَحظَة مِحْورِيَّة فِي مسيرته، وَهِي تعْيينه وزيرًا لِلدِّفاع، فَيقُول: “لمَا تَعينَت وزير دِفاع، كان طَبيعِي لِأيِّ اِنْتهازيٍّ … عَايِز يَكسِب ويبْقى وزير الدِّفَاع … لِمَا يَخْش عَليهِم يَقُول لَهُم: دُه أنَا مَعاكِم، دُه أنَا مِنْكم بس كُنْت مِسْتخْبي”. بِهَذه الكلمات، يَرسُم فَخامَة اَلرئِيس صُورَة دَقِيقَة لِلانْتهازيَّة السِّياسيَّة، لَكنَّه يَحسِم موْقفه فَوْرا: “لَا وَاَللَّه … أنَا قَدمَت نَفسِي كالتَّالي”. هُنَا يضع خطًّا فاصلا بَيْن الانْتهازيَّة اَلتِي تبيع الولَاء لِأيِّ قُوَّة صاعدَة، والْوطنيَّة اَلتِي تَرفُض أن تَستَغِل بِاسْم الدِّين أو التَّنْظيم أو أيِّ غَايَة ضَيقَة ثُمَّ اِنتقَل فَخامَة اَلرئِيس إِلى لَحظَة مِحْورِيَّة فِي مسيرته، وَهِي تعْيينه وزيرًا لِلدِّفاع، فَيقُول: “لمَا اتعينَت وزير دِفاع، كان طَبيعِي لِأيِّ اِنْتهازيٍّ … عَايِز يَكسِب ويبْقى وزير الدِّفَاع … لِمَا يَخْش عَليهِم يَقُول لَهُم: دُه أنَا مَعاكِم، دُه أنَا مِنْكم بس كُنْت مِسْتخْبي”. بِهَذه الكلمات، رَسْم فَخامَة اَلرئِيس صُورَة دَقِيقَة لِلانْتهازيَّة السِّياسيَّة، لَكنَّه يَحسِم موْقفه فَوْرا: “لَا وَاَللَّه … أنَا قَدمَت نَفسِي كالتَّالي”. هُنَا وَضْع فخامَته خطًّا فاصلا بَيْن الانْتهازيَّة اَلتِي تبيع الولَاء لِأيِّ قُوَّة صاعدَة، والْوطنيَّة اَلتِي تَرفُض أن تَستَغِل بِاسْم الدِّين أو التَّنْظيم أو أيِّ غَايَة ضيِّقة.
وتتجَلَّى جَوهرِية الرِّسالة فِي عِبارة فخامَته الحاسمة: “أنَا مِشُّ إِخوَان وَمِش هَبقِى إِخْوان، وَأنَا مِشُّ سَلفِي وَمِش هَبقِى سَلفِي … أنَا مُسْلِم بَسْ، أنَا إِنسَان مُسْلِم بس”. بِهَذه الكلمات، أَعلَن اَلرئِيس موْقفه اَلصرِيح مِن خَلْط الدِّين بِالسِّياسة، وَأكَّد أنَّ الإيمان قِيمة شَخصِية وأخْلاقيَّةً، لََا أَدَاة لِلْوصول إِلى السُّلْطة. وَفِي ظِلِّ مُحاولات اِحتِكار الدِّين فِي مِصْر مِن قِبل جماعَات بِعيْنها، يُعبِّر هذَا التَّصْريح عن حِماية قُدْسِية الدِّين، وَتأكِيد على مَدَنيَّة الدَّوْلة، وَترسِيخ أنَّ الانْتماء الحقيقيَّ لِلْوطن فقطْ.
ولَا يَقتَصِر حديث فَخامَة اَلرئِيس على هُويَّته الشَّخْصيَّة، بل يَمتَد إِلى المؤسَّسة العسْكريَّة، فَيقُول: “الْجَيْش دُه جَيْش وَطنِي شريفْ، بِيمْثل كُلَّ المصْريِّين، لََا هُو جَيْش الإخْوان، ولَا جَيْش السَّلفيِّين ولَا هَيكُون … دُه جَيْش مِصْر بس”. التَّكْرار هُنَا لَيْس مُجرَّد أُسلُوب لُغَوي، بل رِسالة وَاضِحة تُثْبِت أنَّ الجيْش مِلْك لِلشَّعْب كُلِّه، وليْس أَدَاة فِي يد أيِّ فصيل أو جماعَة، وأنَّ دَورَه حِماية الوطن والْمواطنين، لََا حِماية أيِّ مَشرُوع سِياسِيٍّ.
وَبلَغ الحوَار ذُروَتَه حِين وضع فَخامَة اَلرئِيس مِعيَار الشَّرْعيَّة السِّياسيَّة الحقيقيِّ، قائلاً: “طول مَا الجيْش اَلمصْرِي وشعْب مِصْر مُوَافِق عليْك،
جيش مِصْر مُعَاك”. بِهَذه الجمْلة، صَحَّح فَخامَة اَلرئِيس فهْمًا خاطئًا شائعًا مُفَادِه أنَّ الوطن يَختَزِل فِي شَخْص أو زعيم. فالشَّرْعيَّة لَيسَت شِعارا، بل قَبُول مُسْتَمِر مِن الشَّعْب ومؤسَّساته، والْقائد خَاضِع لِإرادته وتقْييمه.
تَكمُن قُوَّة هذَا الحوَار أيْضًا فِي بساطَته اللُّغويَّة القريبة مِن الشَّعْبِ: “أيْ اِنْتهازيٍّ”، “ده أنَا مَعاكِم”، “كنْتَ مِسْتخْبي”، “أنَا مُسْلِم بس”. دَعمَت هَذِه اَللغَة صَدَّق الرِّسالة، وجعلتْهَا مَفهُومة لِجميع شَرائِح المجْتمع، مِن اَلجنْدِي إِلى الأسْتاذ، وَمِن العامل إِلى الطَّالب، بِلَا تَكلُّف أو واسطَة.
وَفِي ضَوْء ذَلِك كُلهُ، لََا يُمْكِن النَّظر إِلى هذَا الحوَار بِوصْفه مُجرَّد رِواية شخْصيَّة، بل بِاعْتباره شَهادَة سِياسِيَّة على رُؤيَة مُتكاملة لِلدَّوْلة. رُؤيَة ترى أنَّ الجيْش لِلشَّعْب، والدِّين لِلَّه، والسُّلْطة مسْؤوليَّة لََا اِمْتيازا. وحين نضع هَذِه الرَّسائل فِي سِيَاق السَّنوات الصَّعْبة اَلتِي مَرَّت بِهَا مِصْر، نُدْرِك أنَّ مَا قِيل لَم يَكُن اِنْفعالا لَحْظيًّا، بل تعْبيرًا عن مَشرُوع يَهدِف إِلى حِماية الدَّوْلة مِن التَّفكُّك، وَتحصِين مُؤسَّساتهَا مِن الاسْتقْطاب، وَترسِيخ حَقِيقَة أنَّ مِصْر أَكبَر مِن الجميع.
فِي المحصِّلة، مَا قَالَه فَخامَة اَلرئِيس فِي هذَا الحوَار لَيْس اِسْتدْعاء لِلْماضي، بل تثْبيتًا لِثوابتِ الحاضر والْمسْتقْبل: لََا دَولَة بِلَا جَيْش وطنيٍّ، ولَا سِياسة بِالدِّين، ولَا شَرعِية بِلَا شعْب، ولَا اِنتِماء يَعلُو على الانْتماء لِمصْر.
قَدْ يَبْدُو هَذَا اَلْجُزْءَ مِنْ اَلْحِوَارِ، اَلَّذِي عاد لِلظُّهور بَعْد سَنَوات على مَواقِع التَّواصل الاجْتماعيِّ، مَقْطَعًا عَابِرًا وَسَطَ زِحَامِ اَلْمُحْتَوَى اَلرَّقْمِيِّ، لَكِنَّهُ عِنْدَ اَلتَّأَمُّلِ يَكْشِفُ مَلَامِحَ قَائِدٍ اِخْتَارَ مُنْذُ اَلْبِدَايَةِ أَنْ يُقَدِّمَ نَفْسَهُ لِلْمِصْرِيِّينَ كَمَا هُوَ: إِنْسَانًا مُسْلِمًا، وَجُنْدِيًّا مِنْ جُنُودِ مِصْرَ، يَرْفُضَ أَنْ يَكُونَ أَدَاةً فِي يَدِ تَنْظِيمٍ أَوْ سَبَبًا لِانْقِسَامٍ، وَيُصِرَّ عَلَى أَنْ يَبْقَى اِسْمُهُ مُرْتَبِطًا بِمَا يَجِبُ أَنْ يَظَلَّ أَعْلَى مِنْ كُلِّ اَلْأَسْمَاءِ: مِصْر.
حِفْظ اَللَّه مِصْر ورئيسهَا اَلجُسور المقْدام، حَارِس السِّيادة ودرْع الكرامة، وَشَعبهَا العريق. وأبْقى مِصْر حِصْنًا لِلْكرامة والسِّيادة، لِتَظل رايتَهَا عاليَةً، وَشَعبهَا آمنًا مُطْمئنًّا، يَنعَم بِالْأَمْن والسَّلام والاسْتقْرار